أما آن لهذا الفساد أن ينتهي؟

قد تكون البطاقة الذكية الآلية الفعّالة التي ستجتثّ “مافيا الدقيق التمويني”.. هذه المافيا التي شفطت المليارات من المال العام على مدى العقود الماضية! ومن الملفت أن يطلق مسؤول في وزارة التجارة منذ عدة أعوام على المتاجرين بالدقيق التمويني وصف “المافيا”، مع ما يعنيه هذا الوصف من صعوبة بوضع حدّ لهذه المافيا بالإجراءات العادية أو من خلال الأنظمة النافذة من جهة، ومن صعوبة أكبر بضبط الفساد المنتشر في المفاصل المسؤولة عن تخزين وتوزيع الدقيق التمويني من جهة أخرى. ولطالما تساءلنا مع غيرنا: أما آن لهذا الفساد الذي يسرق قوت المواطنين ويحقّق الثروات الفاحشة أن ينتهي؟

ولم يكن بالإمكان الحصول على إجابة شافية طالما أن العنصر البشري يتحكّم بآلية توزيع الدقيق على الأفران دون وجود آليات فعّالة تكشف المتورطين بشبكة مافيا الدقيق التمويني. وبتنا على قناعة الآن أن الهجوم على تطبيق أسلوب توزيع الدقيق وبيع الخبز بالبطاقة الذكية يشير إلى أننا للمرة الأولى توصلنا إلى آلية فعّالة لمنع تهريب الدقيق التمويني. وعندما تقوم وزارة التجارة بإغلاق عدة أفران لأن أصحابها رفضوا البيع من خلال البطاقة الذكية فهذا دليل، بل اعتراف، بأنهم كانوا يتاجرون بمعظم مخصّصاتهم من الدقيق التمويني والخميرة والمازوت المدعوم.

ومع أن البعض لا يزال يصرّ على انتقاد أو مهاجمة “البطاقة الذكية”، فإن الواقع كان يؤكد أن الازدحام على الأفران لم يكن بسبب قلّة الكميات المتاحة للاستهلاك، وإنما لأن أصحاب الأفران كانوا يتاجرون بمعظم مخصصاتهم وبيعها لمافيا الدقيق التمويني! ومن لايزال يصرّ على انتقاد البطاقة الذكية دون أي مبرر مقنع.. يغفل عمليات مصادرة آلاف الأطنان من الدقيق التمويني يومياً تقريباً، مع ما يعنيه ذلك من وصول الأطنان أيضاً دون مصادرتها إلى مستودعات المصانع والورشات التي تعتمد صناعتها على الدقيق! ولم تتوقف عمليات تهريب الدقيق التمويني أو حتى الخبز المعدّ للعلف حتى الدقائق الأخيرة لسريان اعتماد آلية التوزيع والبيع بالبطاقة الذكية حصراً.

ماذا تعني الآلية الجديدة للتوزيع والبيع التي أربكت مافيا الدقيق التمويني وأرعبتهم؟

تعني أن الفاسدين في مفاصل التخزين والتوزيع ومعهم أصحاب الأفران لم يعد بإمكانهم تهريب أية كمية من الدقيق التمويني للمعامل والورشات الخاصة، ولاسيما الأفران السياحية ومعامل المعجنات. كما تعني أن أصحاب الأفران الخاصة لم يعد بمقدورهم المتاجرة بالمازوت المدعوم المخصّص لإنتاج الرغيف المدعوم، كما لم يعد بمقدور المطاعم ومحال السندويش الحصول على الخبز المدعوم وتقاضي ثمنه بالسعر الحر!

الآلية الجديدة تتيح مراقبة حركة خروج الدقيق التمويني من المطاحن إلى الأفران، وتحديد ما تنتجه من ربطات خبز، وتحديد الكميات المباعة من خلال الأفران والمعتمدين، وبالتالي فإن المراقبة تبدأ من خروج المادة الأولية من المستودعات وصولاً إلى المنتج النهائي وحتى عمليات البيع للمستهلك.. إلخ.

بالمختصر المفيد: إذا ما طبقت وزارة التجارة عمليات الدفع الإلكتروني في جميع مراحل حركة الدقيق التمويني – من المستودع إلى البيع النهائي للمستهلك – فإنها بعد نجاح تجربة البطاقة الذكية ستتمكن من الإجابة عن السؤال: أما آن لهذا الفساد التمويني أن ينتهي؟

علي عبود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *