“كسب” و”مكتسب”.. غير مشروع!!

قد يكون الوقت مناسباً، كما كان في كل وقت مضى، لتفعيل مشروع قانون الكسب غير المشروع الذي لطالما وصل للقبة البرلمانية كمطلب رأي عام قبل أن يكون حاجة قانونية حكومية؛ لكن المؤسف أن ما تحفظت عليه اللجنة الدستورية عندما نوقش القانون في آخر جولة منذ سنوات، لا يعني بالضرورة التقليل من أهمية وضرورة هذا التشريع الذي تتعطش إليه الحياة العامة، لاسيما الوظيفية منها التي وقعت في مفاصل عديدة منها فريسة فساد مقنع ومعلن سبّب على مدار عقود واقعاً ملموساً من الغنى والترف الفاحش الذي جعل “ابن الدولة” محط حسد، وبوابة للطمع والهرولة لاقتناص نصيب من المال العام المباح للجميع بكفالة الثغرات القانونية والفهلوية “البلدية”.

يتفق السوريون على أن شريحة واسعة من المكتنزين ومحدثي النعمة وميسوري الحال وصلت إلى مرحلة “شم الابط” من وراء استغلال المنصب والموقع الوظيفي، ومع الزمن جمع هؤلاء بين المال والنفوذ المنصبي ليصبحوا ذوي جاه، والقصة باختصار أنهم “حرامية” ومختلسون ومتاجرون ومبازرون بامتياز؟

هي الحقيقة الموجعة التي أفرزت نمطاً فكرياً وسلوكياً لم تنفع معه الروادع الأخلاقية ولا النصوص القانونية التي وصلت إلى “المحاسبة “والملاحقة بسلاح “من أين لك هذا؟”، وما لحقها من تندر عام من قبيل من يحاسب من؟ وانتهاء بـ “هذا من فضل ربي”، جواباً لسؤال الفاسد من أين لك هذا؟!

هنا يعرف الكل أن مصدر المال الذي ينفقه ويستثمره هؤلاء كان ولم يزل من مال الفقراء والمحتاجين، ومع ذلك يصر من كسبوا بغير وجه حق توريث ما “لطشوه” على أمل السقوط بالتقادم للتهم الاجتماعية والقانونية، وهذا ما شكّل “أخد ورد” في أروقة مجلس الشعب بشأن قانون الكسب غير المشروع الذي لم يتضمن في صيغته الحالية  تطبيق التقادم على الجريمة، ما اعتبرته “اللجنة” مخالفة دستورية لنص المادة 19، بمبرر أن التقادم يهدف للطمأنينة والاستقرار منعاً لتحول الدعوة العامة إلى سيف مسلّط على رقاب الأشخاص، لاسيما أن جريمة الاختلاس تسقط، فكيف الكسب غير المشروع؟!

اللجنة البرلمانية آنذاك توقفت عند تعريف الكسب وإثبات المصدر المشروع للتبرئة، وهذا ما يتعارض – وفقها – مع مبدأ أن الإثبات لجهة الادعاء وليس للمدعى عليه، “المتهم” الذي يفترض به تقديم الأدلة في ظل العجز أحياناً عن تقديم النبع الحقيقي للمال. وفي السياق نفسه، ثمة تساؤل حول اعتبار مقدم الخدمة الذي لا يقدمها بحكم المستقيل، وهذا ما لا يمكن تمريره لمخالفته واقعية العمل العام؟

هو مشروع قد يمر، أو لا يمر، من تحت يدي المشرع، ولكن من الضروري وجوده لأن للقوانين المحاسبية مفعول الردع قبل الملاحقة التي تعد ملحة للإنصاف والعدالة، واسترجاع جزء من الأموال المحصلة زوراً وبهتاناً؟

علي بلال قاسم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *