لا تهملوها!

 

ربما لا يخفى على أحد المساحات الزراعية التي يتمتّع بها بلدنا، وما تشكله من صمام أمان لأمننا الغذائي، وخاصة ما تنتجه من محاصيل إستراتيجية كالقمح والقطن والزيتون.. إلخ، ما يجعلها أوراقاً رابحة بيد الحكومة تستخدمها لدعم مواقفها السياسية، فيما لو تمّ الضغط عليها ومحاصرتها اقتصادياً؛ فهذه الأوراق تبقى، بشكل أو بآخر، حصناً وملاذاً آمناً يمكنانا من الاعتماد على ذاتنا. لكنّ ما يحزّ في نفس كل غيور على وطنه ومستقبله هو أن نرى تراجعا في نسبة الحيازات الزراعية التي تتقلص عاماً بعد عام على مرأى كلّ من الحكومة والمواطن، فالأولى لم تتدخل بالشكل الأمثل لدعم المساحات المزروعة عبر سياسات وإستراتيجيات واضحة وشفافة تضمن الحفاظ عليها واستمرارها بالعطاء والتنمية! كما أن غياب وعي الشريك الثاني (المواطن) كان جلياً من خلال استهتار البعض بأراضيهم، إما بهجرانها وعدم استثمارها، أو لجوء البعض الآخر لتكثيف استثمارها بهدف تحصيل أكثر من موسم خلال عام واحد، الأمر الذي يرهق تربتها دون الاكتراث باستنزاف موادها العضوية والحيوية.

لعلّ أحد أبرز التعديات المساهمة في تقليص مساحات الأراضي الزراعية تتمثّل بالتوسع العمراني الأفقي مع تجاهل البناء الطابقي الأقل تأثيراً بتعديه على الأراضي الزراعية، إضافة إلى المبالغة – في بعض الأحيان – بتوسيع المخطّط الإقليمي لبعض البلدات والقرى وما ينتج عنه من قلع الأشجار وتقطيع أواصر الحقول والبساتين الزراعية بلا مبرر، دون أن تأخذ الجهات المعنية الاعتراضات المقدّمة من قبل المتضررين من الأهالي بعين الاعتبار لتعديل ما يمكن تعديله وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأراضي الزراعية من الغزو البيتوني المسلح.

ولتصريف المياه المالحة الآسنة، ورميها في الأراضي الزراعية تحت جنح الظلام، قصة أخرى أكثر إيلاماً، فإلى جانب ما تلحقه هذه الظاهرة من أضرار على التربة وإخراجها من المنظومة الزراعية، هناك أضرار بيئية وصحية ناتجة عنها، ولعلّ الأدهى والأمرّ هنا ما تمارسه بعض فعاليات القطاع الخاص الصناعي من تجاوزات في هذا المجال من خلال تصريف مخلفات مصانعها إلى الأراضي الزراعية والوديان المجاورة دون مراعاة الحدود الدنيا من الشروط البيئية والصحية!

إن الزراعة في هذه المرحلة العصيبة التي نعيشها أيها السادة، قد تكون السبيل للخلاص، أو على الأقل، التخفّف من الضغط الذي يعيشه الاقتصاد الوطني بكل أبعاده، فلا تهملوها!

حسن النابلسي

hasanla@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *