حرب باردة جديدة.. و الذريعة كورونا

هيفاء علي

 

قد يظهر نظام عالمي جديد منظم حول تنافس استراتيجي جديد بين الولايات المتحدة والصين يبني العلاقات الدولية بعد ثلاثين عاماً من تفكك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.

حين أضرمت جائحة كورونا أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة، لاح انكسار جيوسياسي ظهرت مؤشراته مسبقاً، ويستند إلى عنصرين، أحدهما كاذب والآخر حقيقي.

السبب الكاذب لهذا التطور الدولي الكبير هو ما يسمى بالمسؤولية الصينية عن انتشار الوباء بعدما اتهم الرئيس الأمريكي الصين بأنها مسؤولة عن انتشار الفيروس التاجي في جميع أنحاء العالم، وهدد بكين بالانتقام معتبراً الصين أكبر تهديد جيوسياسي للولايات المتحدة في القرن المقبل.

وزير الخارجية من جهته لم يوفر جهداً لتوجيه أصابع الاتهام إلى الصين بأنها فعلت كل ما في وسعها “للتأكد من عدم إبلاغ العالم في الوقت المناسب” بالفيروس، وقد دعمت هذه الهجمات من قبل العديد من المنتجات الحكومية التي زورت الواقع في الاتجاه نفسه من أجل إعطاء جوهر للواقع الذي يرغب البيت الأبيض في نشره وفرضه.

في واقع الأمر، تتناقض تصريحات ترامب ووزير خارجيته مع تحليل المخابرات الأمريكية التي أعلنت أنها توصلت إلى استنتاج مفاده أن Covid-19 لم يتم إنشاؤه أو تعديله وراثياً من قبل البشر، ومع ذلك، ليست لديهم معلومات كافية “لتحديد ما إذا كان الوباء بدأ بالتلامس مع الحيوانات المصابة، أو ما إذا كان نتيجة لحادث مختبري في ووهان”.

المعلومات التي يتم تبادلها بين أجهزة المخابرات تقودهم إلى استنتاج أنه “من المستبعد جداً” أن ينتشر وباء الفيروس التاجي نتيجة لحادث في مختبر أو في سوق صيني، و”من المحتمل جداً أنه حدث بشكل طبيعي، وأن العدوى البشرية ناتجة عن تفاعل طبيعي بين الإنسان والحيوان”.

وفي فرنسا، ذكرت صحيفة فالور اليومية أن العديد من المصادر التي استجوبتها في نهاية نيسان الماضي أجهزة المخابرات الفرنسية (المتخصصة في مكافحة التجسس أو الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية) حول أصل الفيروس التاجي، تؤكد أن هذا ليس تسرباً من مختبر P4، حيث “تظهر جميع السلالات التي تم تحليلها أنه لم يتم تعديلها بطريقة إنسانية، السلالة هي حيوان، وقد تم نقلها إلى البشر دون أن يعرف أحد بالضبط السبب، إنه لا يأتي من سوء التعامل أو التسرب “.

كما تدخل محرر المجلة الطبية The Lancet لدحض الادعاءات المضللة للسلطات الأمريكية، ويستبعد جميع علماء الفيروسات الخطرة نسب الفيروس إلى أصل بشري، ويشددون على اهتمام المنشورات الصينية الغنية بالبيانات حول هذا الموضوع، وبالتالي فإن الأزمة التي سببها وباء كوفيد 19 هي الحجة التي اختارها الأمريكيون لمهاجمة بكين، وإحباط أو إبطاء تطور قوتها الاقتصادية والعسكرية، فمنذ نهاية شهر نيسان تضاعفت المقالات الصحفية وشهادات الخبراء والبيانات الصادرة عن السلطات عبر المحيط الأطلسي التي تدعي أن بكين مسؤولة، وأنه يجب عليها دفع الثمن، وسيشغل هذا الموضوع بلا شك جزءاً متزايداً من الأخبار الدولية في الأشهر المقبلة، باعتبار أن الانتخابات الأمريكية تقترب، ويبدو أن هذا الموضوع هو بمثابة نعمة لدونالد ترامب قدمت له على طبق من ذهب.

 

العقوبات على الصين

منذ بداية الوباء، هاجم دونالد ترامب الصين متهماً إياها بإضعاف الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير، لذلك قرر في هذا المجال أن يتفاعل في المقام الأول، وقال إن التعرفات الجديدة على الواردات الصينية ستكون “العقوبة النهائية” لتضليل بكين بشأن وباء فيروس كورونا، ووصف ترامب التعرفات بأنها “أفضل أداة للتفاوض”، وأصر على أن التعرفات التي فرضتها إدارته حتى الآن أجبرت الصين على توقيع اتفاق تجاري مع واشنطن، كما هدد بإنهاء الصفقة إذا لم تقم الصين بشراء البضائع من الولايات المتحدة كما هو مخطط لها، أو حتى إلغاء الأصول الصينية المستثمرة في الديون الأمريكية، كما أثار دونالد ترامب مؤخراً إمكانية مطالبة بكين بدفع مليارات الدولارات كتعويض عن الأضرار التي سببها الوباء.

 

الضغط على الحلفاء

وفي الوقت عينه، يزيد الأمريكيون الضغط على حلفائهم الأوروبيين الذين يغريهم تبني الجيل الخامس الصيني، أو يشاركون بالفعل في النشر، ففي قمة الناتو في لندن التي انعقدت في كانون الأول من العام الماضي 2019، أكد الأوروبيون لواشنطن التزامهم بضمان أمن اتصالاتهم، بما في ذلك 5G ، مدركين الحاجة إلى استخدام أنظمة آمنة ومرنة، وعلى الرغم من توصيات الناتو والضغوط الأمريكية سمحت الحكومة البريطانية لشركة هواوي الصينية في كانون الثاني بإنشاء شبكات اتصالات 5G  في المملكة المتحدة، وقالت واشنطن إن “هواوي مثل شركات التكنولوجيا الصينية الأخرى المدعومة من الدولة هي أحصنة طروادة للتجسس الصيني”، ونتيجة لذلك، ألمحت واشنطن في أوائل أيار إلى أنه قد تتم إعادة نشر مرافق جمع المعلومات الاستخبارية الالكترونية الموجودة حالياً في المملكة المتحدة إلى دولة أوروبية أخرى اختارت عدم تبني الجيل الخامس الصيني، وبالإضافة إلى ذلك، يهدد الأمريكيون مستقبل قاعدة مينويث هيل، محور شبكة ايكيلون، حيث لديهم محطة أرضية فضائية ومرافق اعتراض تعمل بالتعاون مع البريطانيين، حتى إن “التلغراف” اقترحت على البيت الأبيض فكرة سحب ما يصل إلى 10000 جندي أمريكي من المملكة المتحدة.

 

المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو

كما أن استهداف الصين يسمح لواشنطن بإعداد المقار والرأي العام الغربي لتحديث المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو الذي يتم إعداده حالياً، ويجب أن تقبل الدول الأعضاء تصنيف بكين كخصم محتمل رئيسي نتيجة لصدمة الوباء وعواقبه، ومن ناحية أخرى فإن تسجيل روسيا كتهديد رئيسي آخر ضد التحالف الأطلسي سيكون خطأ مزدوجاً، فمن جهة لأن موسكو ليست بأي شكل من الأشكال تهديداً لأوروبا، ومن المهم ألا تتأثر النخب الأمريكية بالهوس المناهض لروسيا، وفي هذا الصدد، من الضرورة بمكان التذكير بالملاحظات ذات الصلة الواردة في الوثيقة الصادرة عن دائرة التأمل المشتركة (CRI) عند اقتراب المناورات العسكرية القادمة على حدود روسيا: “إن تنظيم مناورات الناتو في القرن الحادي والعشرين، بتجاهل موسكو، بعد أكثر من 30 عاماً على سقوط الاتحاد السوفييتي، كما لو أن ميثاق وارسو لايزال موجوداً، يعد خطأ سياسياً على حدود الاستفزاز غير المسؤول”، وبالنسبة لفرنسا، “المشاركة فيها تكشف عن متابعة عمياء، ما يدل على فقدان مقلق لاستقلالها الاستراتيجي”، ومن الجهة الأخرى فإن مثل هذا القرار سيلقي موسكو في أحضان الصين، الأمر الذي ستكون له عواقب وخيمة على الأمريكيين والأوروبيين على حد سواء، فهناك العديد من العناصر التي تشير إلى الأسوأ، فإذا لم يواجه الأوروبيون حلفاءهم الأمريكيين في هذه المرحلة فإن الأمريكيين سيؤكدون ميلهم للعب السحرة المتدربين الذين ستنقلب إبداعاتهم ضدهم.

لقد شكّلت أزمة الفيروس التاجي نعمة استراتيجية للولايات المتحدة، حيث وفرت لها الفرصة لإعادة خلق خصم استراتيجي في ذروة احتياجاتها، ذلك أن وجود الخصم الاستراتيجي ضروري بالنسبة لها من أجل الحفاظ على قيادتها، وإنعاش اقتصادها، وتوطيد المعسكر الغربي حولها.

وحتى لحظة ظهور الأزمة الصحية الأخيرة، كانت فكرة أن العالم يمكن أن يدخل حقبة جديدة من المواجهة تبدو غير منطقية، إذ بدا أن الأصول المالية للولايات المتحدة والصين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بشكل كبير، وأن اقتصاداتها مترابطة لدرجة أن فرضية الصراع تبدو غير محتملة، رغم ذلك، تبدو اليوم كل العلامات التحذيرية لعصر جيوسياسي جديد، وحرب باردة جديدة، تختلف طرائقها جزئياً عن سابقتها، ويبدو أن التنافس الاستراتيجي الصيني الأمريكي سيحكم من الآن فصاعداً العلاقات الدولية على المستويات العسكرية والاقتصادية والمالية والتكنولوجية والأيديولوجية لعقود طويلة قادمة.

 

One thought on “حرب باردة جديدة.. و الذريعة كورونا

  • 5-حزيران-2020 at 6:12 م
    Permalink

    مشكور جهدك

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *