سر “داء” الدواء!!

لم نكد نصدّق حين سمعنا من أحد المستثمرين في الصناعات الدوائية أن شركات الحوالات (شركات محددة!)، والتي يُحولهم إليها البنك المركزي بهدف تمويل مستورداتهم (المواد الأولية اللازمة لصناعة الدواء)، بالقطع الأجنبي، كانت تقتطع وبعلم المركزي، 40% من كتلة القطع التي تُعطى للصناعي!!

حينها، وكان ذلك قبل أكثر من شهر ونصف، استهجنا معلومته، وبشيء من الاتهام وصفنا كلامه بالتحامل والمبالغ به كثيراً وغير المعقول، فكان ردّه أن “اسألوا وتأكدوا”.. وفعلاً، حاولنا، لكن لم نفلح، فالمركزي – مثلاً – لا يردّ على أسئلة الصحافة!! فكيف بالصناعي المرتبط نشاطه ومصالحه بالمركزي وغيره؟!

ظلّت هذه المعلومة مكتومة حتى ظهور أحد الصناعيين المستثمرين بالصناعة الدوائية، على شاشة “الإخبارية السورية”، متوسطاً ممثلتين عن وزارة الصحة، واللتين “عملتا البحر طحينة”، حيث لا أزمة دواء ولا هم يحزنون!! وحتى إغلاق الصيدليات الذي علمه الكلّ وعاينه العين المجردة، واستطلعناه بأنفسنا في مناطق عدة من دمشق، ليس صحيحاً، على حدّ ما أكدته الممثلتان!

لسنا بوارد ما تفوّهت به ممثلتا الوزارة، لكن ما يهمّنا أن الصناعي، ومنذ بداية اللقاء، تعمّد الدبلوماسية في الحوار والردّ على أسئلة المذيعة، لما قبل انتهاء الحلقة بقليل لـ “يبق البحصة”، ويؤكد أن ما سمعناه وذكرناه أعلاه صحيح، وأن تمويل مستورداتهم، وعلى الرغم من أنه بالسعر التفضيلي، وهو 700 ليرة، كما حدّده المركزي، لكنهم لا يحصلون على كامل المبلغ من القطع الذي يحتاجونه، بل ما نسبته 35% فقط من نسبة الـ 100% التي تحتاجها عملية التصنيع؟!!

قد نفهم مبرّر أن يتمّ تمويلهم بتلك النسبة (35 من أصل 100%)، ونؤيد هذا، كون تلك النسبة هي لتمويل المواد الأولية للمنتج الدوائي حصراً، وفقاً لما فهمناه؛ وعليه من غير اللازم تمويل أدوات الإنتاج مثلاً، لأن بإمكان الصناعي تأمينها بنفسه من عائدات قطع التصدير، ومن الأرباح الكبيرة التي يحقّقها نتيجة لذلك. وهنا يكفي أن نسأل (في لبنان مثلاً) عن أسعار الدواء السوري وتوفره هناك، لنحسب – ولا نستغرب – نسبة أرباح صُنّاع الدواء وعائداتهم من القطع، ولماذا المستثمرون بالصناعة الدوائية في سورية راضون و”مرضيّون” بأسعاره في السوق المحلي؟!!

بالمختصر المفيد، هناك جانب معتّم عليه في قطاع الصناعة الدوائية، متفق عليه ضمنياً، بين الأطراف المعنية بهذه الصناعة، وكل طرف ليس من مصلحته كشف ما عليه من مآخذ في هذا الجانب، وتحديداً القطاع الخاص، وبالتالي فإن تسليط الضوء عليه سيعري العديد من المطالب التي يُراد بها باطل!!

من تلك المطالب، تساؤل حول معقولية وإمكانية تسعير الدواء، استناداً للسعر التفضيلي للدولار (700 ليرة) الذي يتموّل به الصناعي من شركات التمويل، والتي بدورها تقتطع من كتلة تمويله 40%!!

وإن كانت الحكومة راضية بذلك، فهذا لأنها تعلم علم اليقين أن ما تقدّمه للمستثمر في هذه الصناعة كافٍ ووافٍ، وأن ليَّ ذراعها مستحيل، حتى وإن تساهلت وصمتتْ حكمةً وحسن تدبير لا يخلو من التقصير، كونها تدرك أن من يحاول ذلك سيُخرِّب على نفسه ما مُنح من ثمين!!

قسيم دحدل

Qassim1965@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *