الحضور المنشود للبعث.. كلمة الرفيق الأمين العام للحزب

د. عبد اللطيف عمران
بدأ الرفيق الأمين العام للحزب السيد الرئيس بشار الأسد كلمته بـ: “أيتها الرفيقات.. أيها الرفاق”، واختتمها بـ: “والخلود لرسالتنا”، وبين هذه البداية والخاتمة، إضافةً إلى الأفكار الواردة فيها، والمفردات المفتاحيّة، ما يجعل منها نصاً بعثيّاُ بكل معنى الكلمة.
مع هذا، رأى الشعب السوري، ورأى الوطنيون والعروبيون فيها نصاً غنياً، ليس في مجال عمل الحزب، وليس في المناسبة التي (تخيّرها) الرفيق الأمين العام سبباً لتوجيه كلمته فقط، بل في قضايا الوطن عامة، باعتبار أن القضايا الوطنية اليوم في كافة الأقطار العربية تجابه تحديات تكاد تكون متشابهة في أسبابها ونتائجها ومراميها.
نعم، الكلمة أتت كرسالة موجهة بشكل غير معهود سابقاً، وهي من حيث العنوان والظاهر، موجهة إلى كوادر البعث مع بدء (الاستئناس) لاختيار ممثليهم للترشيح إلى مجلس الشعب. وعلى أهمية هذا، وضرورته في هذه الأيام، إلا أن حديث (الاستئناس) – وكما يبدو – كان مدخلاً إلى ظواهر أوسع في الحياة الحزبية، وفي الحياة الوطنية العامة في القطر؛ لا بل، ومع إعادة قراءة نص الكلمة، نجد أن القضية الوطنية هي الأسطع في النص من القضية التنظيمية، على عضوية العلاقة بين القضيتين وتكامليتها، وآية ذلك ما نجده في السطر قبل الأخير من الكلمة: (.. خياراتكم الوطنية والحزبية، ليكون صوتكم صوت جماهير شعبنا)، فلطالما حفل سابقاً الخطاب البعثي بعبارة (جماهير حزبنا).
استقبل السوريون الكلمة كرسالة ليست موجهة إلى المرشحين البعثيين وإلى منتخبيهم، وليس إلى كوادر البعث فقط، بل إلى السوريين عامة، وإلى كل من يحفل بشأنهم إيجاباً أم سلباُ، فأنت كمتلقٍ بحاجة معها إلى إعادة قراءة، وإلى الاطلاع على تباين وجهات نظر الرفاق والمواطنين، ووسائل الإعلام العربية وغيرها تجاه مضامينها.. وعلى أية حال، فهي تستحق أن تُدرج بكل ما فيها من أهمية، ووضوح، ونقد، ومراجعة، وتوجهات في أدبيات الحزب (العريق بتاريخه وتجربته الطويلة والغنية)، ذلك لأسباب عديدة يأتي في طليعتها ثلاثة:
1- الحديث عن الإيجابيات في عمل الحزب: ومنها الإشارة إلى حوارات البعثيين الغنية التي أنتجت أفكاراً عملية وواقعية أخذت طريقها إلى التطبيق، والمتمسكة بمبادئ الحزب لإعادة الحيوية إلى الحياة الحزبية انطلاقاً من إيمان البعثيين بعقيدته، ووعيهم لدوره الوطني والقومي، ومنها الإشادة بالحيوية العالية وبروح التجدد التي تميّز و(يتميّز) بها الحزب حيث أثبت حزبنا مجدداً قدرته على مواجهة الظروف الصعبة وعلى مواكبة روح العصر، وبديناميكية البعث وقدرته على التكيّف والانطلاق وتجديد آليات الممارسة الحزبية.
2- الحديث عن السلبيات في عمل الحزب: وقد أتى هذا الحديث في إطار تقليد عريق عرفته أدبيات الحزب ونصّت عليه بـ (النقد والنقد الذاتي).. أتى الحديث هنا مناسباً لموضوع الاستئناس كخيار ديمقراطي، لكن نبرة النقد الذاتي والمراجعة النقدية لم تعهدها أدبيات الحزب سابقاً، وهذا ما لفت الرأي العام فركّز عليه متجاوزاُ مسألة الاستئناس.
ويكاد البعثي يخشى – لأنه غير معتاد – من سرد حديث السلبيات هذه، ومنها: – الابتعاد عن أخلاقيات الحزب وقيمه الذي أدى إلى خسارة العديد من الكوادر الكفوءة – غياب الآليات والمعايير الموضوعية – الخلل في العلاقة بين القيادة والقاعدة – انكفاء القواعد عن تحمل مسؤولياتها بسبب تغييبها عن ممارسة حقها وواجبها في الترشح والانتخاب والتمثيل في المواقع الحزبية والمؤسسات الوطنية المنتخبة – حالة الركود الحزبي على المستوى الفكري والإجرائي.. هذا عدا عن الحديث عن تراجع دور الحزب والإساءة إلى صورته في بعض المراحل.
ما جعل هذه القواعد ترى في هذا الحديث وعداً، ووعيداً واعداً، لما تنطوي عليه الكلمة من آفاق رحبة في مضمار الإصلاح السياسي.
3- المطلوب ليكون حضور البعث منشوداً من الحزب والشعب: كان هذا واضحاً وبيّناً مع توضيح الحاجة إلى العقيدة القوية التي تحتاج إلى الفكر، والذي بدوره يحتاج إلى مؤسسات (تطوّرها)، ما يشكّل رداً موضوعياً على من وصف الحزب بـ (الشمولية – التكلس – الانفصال عن روح العصر) فيكون عندئذ توطيد حضور الحزب بـ: – إثبات البعثيين قدرة الحزب جرّاء التصاقه بقواعده وتمثيله لأوسع الشرائح الشعبية – تطوير الحزب ليكون قادراً على النهوض بالدور المنوط به في الدفاع عن المبادئ وعن مصالح الوطن وتعزيز قدراته – الابتعاد عن الاعتبارات غير الوطنية وعن الولاءات الضيقة التي لا تنتمي لـ (عقيدة الحزب الوطنية والقومية).
ولعل الملفت جداً، ليس للبعثيين، بل لكل الوطنيين والقوميين والتقدميين، هو التأكيد على أن (العقيدة لا تموت مادام يحملها دم متجدد ونسغ حي يسري في عروق من أخلصوا الانتماء لحزبهم ووطنهم وعقيدتهم القومية والوطنية).
وغنى الدلالة يكمن هنا في تقديم القومية على الوطنية، الذي هو نظير تقديم الخيارات الوطنية على الحزبية في السطر الذي يليه.
يضاف إلى ذلك أن المرشحين والناخبين، سواء في الاستئناس أو في المؤسسات الأخرى غير التشريعية أو في المنظمات والنقابات أو في باقي المؤسسات، عليهم جميعاً تأصيل وتكريس ما تألّق في آخر رسالة من الكلمة (فالديموقراطية مسؤولية قبل أن تكون ممارسة). ما يجعل من الكلمة خطة عمل ليست مرحلية، ومنهاجاً دائماً لتوطيد الحضور المنشود للبعث وللبعثي.
إنه البعث والرفيق القائد بشار الأسد وموعد سورية مع الأمل، والثقة، والنصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *