إدارة ترامب تبدأ بالانهيار …

ريا خوري

ما زال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتأرجح بين مؤيدين ومعارضين له حول نهجه السياسي والاقتصادي والعسكري، وحول إمكانية توليه ولاية ثانية لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. فهو ما زال يعاني من انتكاسات انتخابية حادة لم يكن يتوقعها تحدث في الوقت الذي تم إطلاق عليه صفة  )الوقت الميت) الذي يسبق موعد القيام بإجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة يوم 30 تشرين الثاني 2020. وهذه من شأنها أن تضع جميع علماء المستقبليات وجميع قواعد التنبؤ السياسي والأمني والاقتصادي في مأزقٍ صعب، لأنَّها تُعلي من شأن الأمور الطارئة وغير المتوقعة وهي بدورها تعمل على إفساد جميع الحسابات الدقيقة للتنبؤات الخاصة بالقضايا السياسية على وجه الدقة.

كانت  التوقعات والحسابات حتى نهاية شهر كانون الأول الماضي لصالح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد راهن على التحسن الكبير الذي أنتجته سياساته الخارجية المتشدِّدة على الأوضاع المعيشية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لأنّ نسبة البطالة تراجعت بشكلٍ كبيرٍ وملحوظ، أو من ناحية منهجه السياسي المتشدِّد ضد الصين وروسيا، وعدم التردّد في القيام بمزيد من الضغط على دول الاتحاد الأوروبي الحليف. كل ذلك لم يمنع من وجود عصي في عجلات حملته الانتخابية، فكانت جائحة كوفيد 19 (كورونا) وتفشيها بشكلٍ مروِّع ومخيف داخل الولايات المتحدة الأمريكية والتي حصدت أعلى نسبة في العالم من الإصابات والوفيات، حتى باتت أزمة فاقت في ضررها على إدارة الرئيس لها، وذلك لعدم قدرته على إدارة الأزمات بشكلٍ صحيح، وهذا ما جعله في أعين الشعب الأمريكي رئيساً غير كفء لتحمُّل ما يُلقى عليه من مسؤوليات.

إضافة إلى حالة الركود الاقتصادي التي ساهمت في تعطيل حملته الانتخابية القادمة، وتفجر التظاهرات والاحتجاجات الشعبية العارمة والعنيفة وتحولها إلى حالة من الغضب العارم ضد ترامب وشرطته وسياساته العنصرية ضد المواطنين الأمريكيين من أصول إفريقية، وضد المهاجرين. كل تلك الاحتجاجات والمظاهرات كانت ضد الرئيس دونالد ترامب مباشرةً نتيجةً لرعونته وهمجيته.

هذه الأحداث وأحداث أخرى لا مجال لذكرها دفعت الكاتب والسياسي الأمريكي فرانكلين فوير الناشط في الحزب الجمهوري وعضو جمعية ولاية ويسكونسن الأمريكية لأن يكتب في مجلة “ذي أتلانتيك” مقالة يؤكد من خلالها أن  نظام دونالد ترامب بدأ بالانهيار. كما كتب الصحافي العالمي الشهير توماس فريدمان تعليقاً على سوء إدارة دونالد ترامب في مجلة “نيويورك تايمز” وعلى سوء التنظيم والتعامل مع الأزمة التي فجرها القتل البشع “العنصري” للمواطن الأمريكي جورج فلويد، حذر فيه من مخاطر الانكسار الذي يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية ومستقبلها، حيث قال: “أنا لست متأكداً أنَّنا سنكون قادرين على انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة  في تشرين الثاني المقبل وأن يكون لدينا انتقال سلمي للسلطة في شهر كانون الثاني 2021”. وشرح توماس فريدمان هذا التخوف بقوله الهام واللافت: “نحن على حافة حرب أهلية ثقافية” وهي من أخطر الحروب. في هذه المقالة حمل توماس فريدمان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كل المسؤولية عن هذا الاحتمال الخطير القادم والمقلق الذي ينتظر الولايات المتحدة الأمريكية. زد على ذلك كان هناك العديد من الشخصيات الأمريكية ومن ضمن نسيج السلطة الأمريكية من توسعوا في التشاؤم بأن القادم على الولايات المتحدة ليس مجرد نكسة انتخابية أو ديمقراطية كبرى تتجاوز حدود نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو منافسه الديمقراطي جون بايدن، بل تهزّ الولايات المتحدة من الداخل وتهدد مستقبلها كله.

وسط هذه الانهيارات والهزات جاء صدور كتاب بعنوان “الغرفة التي شهدت الأحداث ـ مذكَّرات البيت الأبيض” لمؤلفه المحامي والدبلوماسي الأمريكي جون روبرت بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق والذي أقاله ترامب. هذا الكتاب وما تضمنه من معلومات هامة وخطيرة تدين في مجملها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أحدث صدمةً كبيرة من شأنها أن تحدث زلزالاً مرعباً في حملة دونالد ترامب الانتخابية، فعلى الرغم من صدور العديد من الكتب والدراسات حول رئاسة دونالد ترامب وأدائه السياسي وهوجائه، فإن كتاب “الغرفة التي شهدت الأحداث- مذكَّرات البيت الأبيض” سيختلف كثيراً في آثاره السلبية والخطيرة المتوقعة على فرص دونالد ترامب للفوز في الانتخابات المقبلة لأسباب كثيرة لا تحصى:

  • أولاً، مكانة جون بولتون وموقعه في قلب السلطة الأمريكية، وتاريخه كسياسي ينتمي إلى الحزب الجمهوري المتطرف.
  • ثانياً، أن ما يعرفه بولتون من أسرار من داخل السلطة وليس من خارجها، أي من داخل الغرف المغلقة لصنع القرارات التكتيكية والإستراتيجية، وليست معلومات لمراقبين سياسيين أو صحافيين.
  • ثالثاً، خطورة الأسرار التي تم الكشف عنها والتي تتعلق بشخص دونالد ترامب وقدراته المحدودة جداً، فهو تاجر عقارات وليس رجل سياسة، وعدم أهليته ليكون رئيساً لأكبر وأقوى وأضخم دولة في العالم.
  • رابعاً، تبنيه “التوقيت المميت” فهو يصدر قبل أربعة أشهر من موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
  • وهناك سبب خامس، أنه جاء ليكمل دائرة تمرد رجال الرئيس عليه وعلى أدائه، وهو تمرد واضح ومكشوف للرأي العام الأمريكي يكشف جانباً مهماً جداً من جوانب إدارة دونالد ترامب، وهو فشله الذريع في أن ينصت ويحترم وجهات نظر مستشاريه.

إنَّ تبعات تلك السياسات المتهورة أثرت على الأزمة المجتمعية الكبرى التي ظهرت بشكل انفجار ضد العنصرية المفرطة، أدت إلى دخول الجنرال جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وبعده مارك إسبر وزير الدفاع الأمريكي الحالي، ثم الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان، والعديد من كبار ضباط البنتاغون للتصدي لتجاوزات دونالد ترامب في إقحام الجيش في الأزمات الداخلية. هذا التمرد العلني ربما يكون آخر ما كان يتوقعه أو يتمناه دونالد ترامب في هذا التوقيت الخاص والعصيب الذي اكتملت دائرته بصدور كتاب “الغرفة التي شهدت الأحداث – مذكَّرات البيت الأبيض”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *