العربي في الغرب.. صور نمطية تستنسخها الرواية العربية

منذ ظهور الرواية كفن أدبي في الثقافة العربية، والروائيون العرب يتناسلون الصورة النمطية ذاتها للرجل العربي في الغرب، خاصة تلك الصورة السلبية للمثقف، أو الطالب، “الدنجوان” الذي لايشغله، خلال إقامته لدى المجتمع الآخر، سوى نسج علاقات عاطفية، ومغامرات غرامية تعبر عن حالة الكبت والحرمان والانغلاق التي يعيشها العربي في بلاده، ولا يصدق أن يتحرر من قوقعته، حتى ينفلت عاطفياً وغرائزياً، ليعزز تلك الصورة التي يرسمها الغرب عن العربي في الرواية والسينما تحديداً، على أنه كائن شهواني، تغلب عنده الغريزة على الفكر والإبداع.

فمن يتابع الكثير من الروايات العربية، لابد وأن تستوقفه تلك “الكاريزما” التي لا تنأى، في أغلب الأحيان، عن شخصية الكاتب ذاته، ورؤيته النفسية والاجتماعية، للواقع والحياة والتي يعكسها عند بناء عالمه الروائي أو تأخذه بصورة تلقائية إلى هذا المسار التشويقي المطلوب من قبل القارئ العربي الذي هو ككاتب، جزء من منظومته الفكرية والسيكولوجية، ليقدم صورة نمطية عن مثقف يساري هارب من حالة قمعية في بلاده، أو طالب دراسات عليا يمتلك مقدرات فكرية وسلوكية خارقة تجذب الفتيات الغربيات إليه، فيتخلين عن كل شيء من أجل كسب وده، وقد تسابقت الكثير من الروايات على إبراز هذا الجانب والاستفاضة في نسج تفاصيله الدقيقة على حساب الفكرة الأساسية التي تعالج مواضيع الصراع الحضاري بين الشرق والغرب الذي يختزله أكثر الروائيين العرب في علاقة الرجل والمرأة، وإبراز الفوارق في النظم الاجتماعية والقيمية، على حساب المعالجات الأخرى التي تجعل من السرد الروائي فناً توعوياً يضع القارئ في صلب الفوارق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من الغرب متقدماً والشرق العربي متخلفاً فقيراً. وهي محاولات قد تكون الغاية التقليدية منها، زيادة جرعة الاشتغال على سيكولوجية القارئ العربي، الملول، في زيادة جرعة التشويق والإثارة، وتحريك الانفعالات الجسدية التي يجد فيها الكاتب وسيلة تجنيب النص رتابة السرد، ورمزية اللغة الجافة والمدلول الفكري لعلاقة الرجل والمرأة، أو عدوى تصيب كتاب الرواية، فيتوارثونها، اعتباطياً، من جيل إلى آخر.

ومنذ أن كتب المصري توفيق الحكيم “عصفور من الشرق” وحتى الآن، نجد أن الصورة النمطية ذاتها تستنسخ بين الروائيين، مع تعديلات طفيفة تفرضها خصوصية كل كاتب، ففي “عصفور من الشرق” يتحول بطل الرواية محسن من دراسة القانون الذي جاء إلى فرنسا من أجل إتمامها، إلى دراسة الأدب والفن، بعد أن جمعته علاقة غرامية مع قاطعة التذاكر في أحد مسارح باريس، لتبدأ المناوشات الغرامية مع تلك الحسناء “سوزي” تأخذ الحيز الأكبر من السرد، الذي يتتبع مواعيد العشاء، وباقات الزهر، وتذوق كؤوس الغرام، وارتشافها حتى الثمالة “تدخل سوزي غرفة محسن كزنبقة، وخصلات شعرها الذهبية التي تنتشر على وجهه، كما تنتشر أشعة القمر على الكائنات” وضمن هذا السياق يتوقف اللبناني سهيل إدريس في رواية “الحي اللاتيني” التي ينقل فيها الهواجس الغرائزية التي تشغل اهتمام العربي في أوروبا، من خلال حكاية سفر مجموعة من الشبان اللبنانيين إلى فرنسا بقصد الدراسة، لكنهم ينحرفون عن هدفهم ما إن تطأ أقدامهم الأرض الغربية، ليرموا أنفسهم في أحضان المجون، والملاهي الليلية، واللهاث وراء المتع الجسدية، التي تعبر عن مكبوتات اجتماعية يحملها العربي معه أينما حل بغض النظر عن مكانته العلمية والثقافية.

وكذلك يقدم حنا مينه في روايته “الربيع والخريف” بطله أكرم مجاهدي، المثقف اليساري الخارق،  بمواصفات “دنجوانية” رغم البعد السياسي الذي يحاول أكرم إضفاءه على النص من خلال إثارته لموضوع الصراع العربي الإسرائيلي، وسعيه لتقويم النظرة الأوروبية المغلوطة عن هذا الصراع، لكن علاقاته النسائية تأخذ الحيز الأكبر في النص الذي يقود القارئ نحو مغامرات عاطفية فائضة عن الحاجة، ولاسيما مع الجميلة بيروشكا التي تتعلق به بشغف هستيري.

وتتضح تلك النزعة الذكورية أكثر عند السوداني الطيب صالح في روايته الأشهر “موسم الهجرة إلى الشمال”من خلال بطله مصطفى سعيد الذي اختصر سنوات دراسته بفضل عبقريته الفذة التي مهدت له الطريق للسفر إلى بريطانيا لمواصلة تعليمه، وهناك يلمع نجمه، ويصبح أستاذاً محاضراً في جامعات لندن، لكن الطيب صالح،لا يخرج عن تلك الثيمة المعهودة للعربي في الغرب فيجعل من بطله “زير نساء” يجذب النساء البريطانيات الباحثات عن المغامرة إليه، ويتحولن بفعل سحره وحبه مريضات به، لدرجة الانتحار.

وأيضاً يتوقف المصري يوسف إدريس عند هذا الجانب في “نيويورك 80” ليحكي قصة رجل شرقي يلتقي في أحد بارات نيويورك امرأة تدعى ليندا تترك أثراً بالغاً في حياته “ما إن جاءت ليندا، حتى أذابت هذا الإحساس. كشطت كل الأتربة التي تراكمت فوق الأنسجة والخلايا، وطردت الأشباح التي تنوح في خرائب الروح”.

وفي روايته الأخيرة “مقتل بائع الكتب” الصادرة عن دار نينوى بدمشق ينسج العراقي سعيد محمد رحيم سيرة حياة مثقف وفنان عراقي ماركسي يدعى محمود المرزوق عاش مرحلة التحولات السياسية في العراق حتى الاحتلال الأمريكي 2003، وجانب هام من حياته يقضيه في تشيكوسلوفاكيا وفرنسا، قبل أن ينتهي به الحال ببائع كتب قديمة في قبو بناء وسط بغداد التي يقتل فيها بسبب فوضى الحرية الأمريكية، وفي أوروبا يعيش كغيره من المثقفين اليساريين الذين صورتهم الرواية العربية، مغامرات نسائية بفضل جاذبيته الشكلية والثقافية، حيث يلتقي مع ناتاشا ذات الأصول الروسية في براغ، ويرتبط بعلاقة حميمية مع الفرنسية جانيت التي تؤدي أدوار “الموديل” لدى الفنانين التشكيليين ومنهم المرزوق.

 

آصف إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *