ملامح الصراع بين الولايات المتحدة والصين بعد الوباء

عناية ناصر

غيّر “كوفيد 19” من قواعد اللعبة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والسؤال هو من الذي سينهض بقوة من هذه الكارثة العالمية؟.

إن الصعود السريع للصين سبب انزعاجاً سياسياً عالمياً، نظراً لاختلافاتها الثقافية مع الغرب، وبسبب نظامها السياسي وسيطرتها على ما يسميه أستاذ هارفارد، شوشانا زوبوف “رأسمالية المراقبة”، التي هي نظام اقتصادي قائم على المراقبة يعكس الخوف من الصين، ما يشير إليه أستاذ الصحافة الأمريكي هوارد فرينش على أنه المفهوم الصيني لـ “تيان شيا” أو “كل شيء تحت السماء”. فقد اعتمد مفهوم تيان شيا، الذي ينظر إليه بالتقدير على امتداد أكثر من 4000 عام، على مركزية الصين في الكون، وأكد أن قيادتها لها أهمية قصوى بين الدول الأخرى، معتبراً أن ذلك يمثل تبنياً عنصرياً متعجرفاً لأنانيتها الثقافية.

صعود الامبراطورية السماوية

لقد أراد الرئيس شي جين بينغ، التخلص من حذر دنغ شياو بينغ في الكشف ببطء عن براعة الصين الاقتصادية من خلال تعريف نفسه على أنه الزعيم الوطني وبادئ “دور الصين”. ولكي نكون منصفين، لم يكن ترامب هو الوحيد الذي يتهم الصين بمحاولة استغلال الولايات المتحدة اقتصادياً، بل أيضاً الإدارات الرئاسية الأمريكية السابقة. قد ينزعج القادة في الدول الصغيرة من رسائل ترامب على تويتر، لكنهم يثنون على جرأته السياسية في مواجهة الصين وغيرها في محاولتها فرض هيمنتها الإقليمية.

لكن القوة التي كانت الأكثر فاعلية، وللمفارقة، هو فيروس غير مرئي، وفي الوقت الذي كان العديد من الدول -روسيا والصين والولايات المتحدة- تجرّب سراً حرباً بيولوجية في المختبرات، جاء كوفيد 19 ليكشف الغطاء عن هذه التجارب.

لم يتوقع أي بلد الضرر السريع الذي يمكن أن تسببه العدوى الفيروسية عالمياً، والتي طالت ثمانية ملايين إصابة، وأكثر من 449000 حالة وفاة حتى الآن في غضون خمسة أشهر.

تغيير قواعد اللعبة

علّمنا “كوفيد-19” المعنى الحقيقي للعولمة وكيف أصبح عالمنا مترابطاً. لم يكن لأي حدث آخر، ولا حتى الحرب العالمية في القرن العشرين تأثير أكثر عمقاً على الحركات العالمية، وإغلاق الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، ووقف السفر الجوي. لقد تم تعطيل الرأسمالية العالمية.

يرتكز فيلم تأثير COVID-19 بما قالته “الفاينانشال تايمز: “من أن السياسات الليبرالية الديمقراطية ماتت على مستوى العالم، فعندما كانت إيطاليا تمر بأصعب الأوقات مع هذا الوباء واستدعت أعضاء الاتحاد الأوروبي للمساعدة، لم يأت أحد لمساعدتها.

ومن المفارقات أن الصين قدمت لها دعماً ليبرالياً في الإمدادات والكوادر الطبية. أظهر COVID-19 محدودية التضحية النهائية التي ترغب الحكومات في تقديمها. لقد عانى الأطباء الإيطاليون من نقص الإمدادات الطبية لمساعدة  مرضى COVID-19 وبدا ذلك واضحاً من خلال حجب المساعدة الطبية عن المرضى الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً.

مرة أخرى دفع COVID-19 الولايات المتحدة والصين إلى تبادل الاتهامات النارية دون إغفال  الأضرار الجانبية على منظمة الصحة العالمية.

بالنظر إلى الوضع الداخلي للولايات المتحدة، مع وجود 40 مليون عاطل عن العمل، وقائمة الإفلاس، وأعمال الشغب في أكثر من 350 مدينة، والتدابير الإدارية غير الكفوءة في السيطرة على انتشار وباء الفيروس التاجي، قد يكون ستيف بانون قد ذهب بعيداً عن طريق جعل “الصين” قضية الانتخابات الرئيسية لدى ترامب، أما الأمريكيون فينظرون إلى قضية ترامب الصين على أنها عاصفة في فنجان شاي.

كيف سيبدو العالم بعد كوفيد- 19؟

من الناحية الجيوسياسية، سيصبح عالم ما بعد COVID-19 أكثر تفتتاً، فمع ديون تبلغ 25 تريليون دولار أمريكي، لا تبدو أمريكا في وضع يمكنها أن تكون داعماً إنسانياً عالمياً وشرطياً عالمياً. يتساءل المرء إذا كانت الوريثة المهيمنة، الصين سوف تملأ الفراغ الأمريكي.

حاولت الصين، بعد كل شيء، إظهار جانب أكثر ليونة من نظامها السياسي الدبلوماسي خلال جائحة COVID-19، فقد تبرعت بكين بحرية بملايين الأقنعة والمستلزمات الطبية الأخرى بالإضافة إلى كوادر الدعم الطبي (الممرضات والأطباء) لأكثر من 100 دولة.

ورداً على انتقادات ترامب بأن الصين لا تقدم سوى 40 مليون دولار مقابل مساهمة أمريكا البالغة 893 مليون دولار (15 في المائة من ميزانية منظمة الصحة العالمية) لمنظمة الصحة العالمية سنوياً، ردت إدارة الرئيس الصيني بتبرع 2 مليار دولار.

للأسف، يفتح COVID-19 صندوق “باندورا” حول الخيارات المستقبلية للصراع، فخطر وقوع مثل هذه الفيروسات البيولوجية في أيدي الإرهابيين الانتحاريين يمكن أن يتسبب في ضرر لا يمكن تجاوزه ولا رجعة فيه على الدول.

الغرب يعيش كذبة النظم الصحية

تظهر أزمة  COVID-19 أن الدول الغربية كانت تكذب بأن أنظمتها الصحية الوطنية لا تشوبها شائبة، وفي الوقت الذي كان ترامب يلوم فيه الصين ومنظمة الصحة العالمية على مشكلات الولايات المتحدة الوبائية، كان عليه توجيه انتقاداته لنفسه لسوء فهم الوضع الخطير وعدم استعداد الخدمات الصحية الأمريكية لهذا الوباء.

على الرغم من العبارات التي سيدخلها COVID-19 في التغيير الاقتصادي والاجتماعي الجذري، يقول المتشائمون: إن الحياة ستستمر بنفس الطريقة في عالم ما بعد COVID-19.

إن تغير المناخ، سيكون له للأسف تأثير عالمي أكثر تدميراً، ومثل كارثة  COVID-19، فإن قليلاً من البلدان والقادة مستعدون لمواجهة الكارثة العالمية التي تهدد الحياة. المأساة هي أن تغير المناخ يخرج بسرعة عن نطاق السيطرة.

من سيهيمن؟

بينما يشير الاقتصادي الفرنسي “توماس بيكيتي” إلى أن الحروب والكوارث العالمية الكبرى قد تدفع إلى الصفر، إلا أن جائحة الفيروس التاجي قد ولّد إشارات متناقضة. والسؤال هو أي  القوى الكبرى المهيمنة لديها المرونة للعودة في دولة أقوى؟ فقد تعجب رئيس الوزراء السنغافوري السابق لي كوان يو من القدرة الأمريكية على النهوض من الأزمة.

لكن هل تكون الأزمة الاقتصادية الحالية للولايات المتحدة، وحربها العنصرية، وانقسامها السياسي بين حزبين متحاربين، إشارة إلى نهاية وضعها المهيمن العالمي كما يتوقع بعض النقاد السياسيين؟.

من ناحية أخرى، هل الصين، القوة لم يتم اختبارها بعد، الدولة ذات رغبات وطنية مكبوتة وطموحات مشتعلة، تستطيع القول: إنها ستفوز بمنصب السبق كقوة مهيمنة عالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *