الثقافة و تأثيرات الوضع المعيشي

تواجه الفنون كحالة ثقافية متعددة الأجناس، أزمة خطيرة على مستوى العالم استدعت عقد مؤتمرات ولقاءات على مستوى المنظمة الدولية للثقافة بسبب انتشار فيروس كوفيد-19 الذي أرغم دولا كثيرة على إغلاق مراكز الفنون السينمائية والمسرحية والأدبية وغيرها.

لكن ما نواجهه في سورية، الآن، يشكل خطرا مزدوجا على الثقافة بكل مشاربها، خطر جائحة الفيروس، وخطر الأزمة الاجتماعية المعيشية الخانقة، التي أرخت بظلالها على كل مناحي النشاط الاجتماعي والفكري، وشلت كل نبض في عروقها، فقد أدت تراتبية الأولويات الحياتية في البلاد إلى ضمور شبه كلي للثقافة التي جاءت في آخر قائمة الاهتمام الحكومي، رغم المكانة التي تكتنزها الثقافة في بناء الإنسان القادر على مواجهة أخطر أنواع الأزمات، من منطلق الحاجة إلى الثقافة كضرورة ملحة لبناء وعي الإنسان، وتحصينه ضد السقوط في شرك العصبيات السياسية والأيديولوجية والعقائدية المدمرة لبنية المجتمع. إنسان ذات حس عقلي. قادر على اجتراح الحلول، يجعل محاكمة الأفكار والسلوكيات والتوقف عندها جزءا أصيلا من شخصيته، تأخذ من وقائع مضت دروسا لبناء الحاضر والمستقبل.

ومن المعروف أن البلدان العربية جميعها، ومنذ ماقبل فوضى ماسمي بـ(الربيع العربي)تهدر الأموال الطائلة على الماديات والكماليات، على حساب الاهتمام بالمدارس والجامعات ودور الثقافة وأنشطتها، وكل ما له دورا في تحصين الإنسان وصناعة الوعي الجمعي، ولهذا رأينا، كيف تحول المواطن العربي في السنوات العشر الأخيرة إلى آلة تتحكم بها مراكز الدعاية وصنع الرأي العام العالمية تحركه كيفما شاءت لبث الفوضى والخراب وجعل الحياة في هذه البلدان جحيما لايطاق بسبب غياب الوعي، والانقياد الأعمى خلف عصبيات وسياسات هدامة متخلفة، ورغم ذلك لم تدرك مراكز صنع القرار والاستراتيجيات الثقافية هذه الحقيقة، وبقيت أسيرة النشاطات الارتجالية الآنية غير الهادفة.

والأخطر في الوضع المعيشي الراهن أن الأزمة الثقافية في البلاد لم تعد أزمة مؤسسات وحسب، بل توسعت، بفعل الوضع المعيشي الخانق إلى أزمة أفراد مبدعين للثقافة أيضا، فالفنان التشكيلي الذي لم يعد قادرا على إنتاج لوحة أو منحوتة فنية بسبب جنون الأسعار وانخفاض مستوى الدخل، غيابه أزاح مدماكا في البناء الحضاري، وكذلك المسرحي الذي كان دافعه حب المسرح للعمل على خشباته، لن يكون قادرا على ممارسة هذا العشق، وكذلك الموسيقى والأديب، ناهيك عن دور النشر التي أثقلها العبء المادي وحيّدها عن دورها التثقيفي، وبالتالي انزياح آخر في بنية الثقافة، وهكذا دواليك، إلى أن وصلنا  إلى مانحن عليه من شلل شبه كلي، وإخلاء الساحة لصالح وسائل الاتصال الرقمية المنفلتة تنخر في بنية المجتمع كالفيروس القاتل.

من هذا المنطلق يجب أن نعي أن الحاجة إلى الثقافة كمشروع صناعة إنسان يتجاوز الوجود الطبيعي، إلى وعي بهذا الوجود، وليس مجرد نشاط ترفيهي عابر. من الأولويات التي لا يقل، الانشغال بها أهمية عن تأمين الرغيف والدواء ومتطلبات استمرار حياة الإنسان ككائن فيزيولوجي، الذي بات الهم الأول والأوحد للجميع، متجاهلين أن الإنسان الملتزم والواعي هو الذي يصنع الرغيف، ويزرع الأرض، وينهض بالاقتصاد الوطني على أسس وطنية شاملة وكما يقال”ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.

 

آصف إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *