في هذا الزمن!!

عبد الكريم النّاعم

فور جلوس صاحبي، لاحظتُ أنّه يتململ من الدّاخل، وخشيتُ أن أسأله فأحرجه، فتجاهلتُ ذلك، ولمّا لمس أنّني أكاد أذهب إلى مواقع غير التي يريدها، قال لي بما يُشبه العتاب الحنون: “يا رجل أعرفك أذكى ممّا تبدو فيه”؟

قلت مستجيباً: “خير إن شاء الله، ما علاقة الذكاء بجلستنا”؟

قال: “ألم تُلاحظ أنّني أتميّز من الغيظ الذي في داخلي؟! انتظرتُ أن تسألني: ما بك؟ فأعرضتَ، أنا أعرفك حين تريد الإعراض عن أمر”!

قلت: “ليس تجاهلا بقدر ما هو خوف ممّا سيقذفه ذلك البركان المنطفئ إنْ ثار، أكاد أحفظ تضاريس روحك، فما الذي سأسألك عنه؟ أنا أعلم أنّ هناك مئات الجهات التي يمكن أن تضرب فيها، لقد أعرضتُ تهرّبا وخوفاً”.

قال: “هل أفهم أنّك لا تريد أن تسمعني”؟!

قلت: “أنت تعرف أنّك الوحيد الذي يستطيع أن يفرض ما يريده عليّ، لعلمي أنّك نقيّ، وصادق، وحين أحادثك كأنّني أحادث نفسي، ها إنّني أسألك يا رفيق العمر”.

قال: “أنت رجل تستطيع أن تستنبت النّكَد حين تريد، ما علينا، يا صديقي، لقد ضاقت كثيرا، حتى أصبحنا لا نعرف ماذا ينتظرنا في الصباح من أسعار. يا صديقي ثمّة مَن يجوع، ثمّة ما يُدمي القلب، ما معنى أن ينشر أحد ما على الفيسبوك أنّ فتاة عرضت عليه (..) لقاء مبلغ، وأتبع ذلك بكلمة أستغفر الله، لقد قال أبو ذرّ (ر): “إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك”، هل هذا يعني أنّنا وصلنا زمن الكفر”؟!

قلت: “أنت تعرف لماذا أعرضتُ عنك، وتجاهلتُ ذلك، هذا ما كنت أخاف منه، وأنا – كما تعرف – لست أقلّ منك حساسية، ولا تظنّن أني معزول، وقد ذكرتُ ذلك سابقا، لأنّني لا أغادر البيت، فثمّة من يتّصل بي ، وثمة وسائل التواصل الاجتماعي.

أنا أعرف كالآخرين أننا نمرّ بظروف صعبة من الحصار والتآمر، وهذا أمكنَ تجاوز بعضه في أشدّ ساعات الحرائق، فلماذا الآن كلّ هذا اللهب؟!

لاشكّ عندي أنّ أمريكا، بأذرعها في العالم وفي المنطقة، مصرّة على إسقاط فكرة الصمود في سوريّة، لأنّها عقدة العقد، وهي تعلم أن سوريّة حين تنكسر فسينكسر مشروع المقاومة ككلّ، وصار هذا من البديهيّات في الثقافة الوطنيّة الأصيلة، غير أنّ هذا لا يُخفي أنّ ثمّة حيتاناً في البلد قد أكلوا الأخضر واليابس، وصاحب المال لا يهمّه إلاّ ماله، وتثميره، ووطنه حيث يرتع هذا المال، وإذا وُجد من هو غير ذلك فهو الشاذّ المؤكّد للقاعدة، وعلى نُدرة، إنّني حريص على أن لا تجرفني النّقمة فأنزلق إلى مواقع يستفيد منها أعداء هذا الشعب الذين لم يعودوا مستورين، وأشير هنا إلى أنّ كلّ من سعى لتجويع الناس وتيئيسهم.. وفي وصولنا إلى ما وصلتْ إليه أغلب شرائح هذا المجتمع، مَن يفعل ذلك هو شريك متضامن بقوّة مع أعداء هذا الشعب، وهؤلاء هم الأعداء الداخليون، الفاسدون، والمرتشون، والمهرّبون، والمتستّرون عليهم.

اسمع! في هذا السياق، لديّ حكايتان رويتا لي:

حفيدتي صيدلانيّة، جاء إلى صيدليّتها رجل مسنّ ومعه امرأته، وبشيء من الانكسار سألها: “هل لديك هذا الدواء”؟! فقالت: “موجود”، فدمعتْ عيناه، وقال: “يا بنتي لم يعد لديّ حيل لكثرة ما سألت صيدليات، لذا أعطني نصف هذه العلبة وخبّئي النصف الثاني لمحتاج مثلي”، فقالت له وقد غالبها الدمع: “لا! عمّي.. خذ العلبة، وإذا جاء غيرك فلديّ ما أقدّمه له، وإذا لم يكن لديك مال فلا أريد حقّها”، أدار الرجل ظهره، وأدارت هي وجهها وانفجرت بالبكاء.

الحادثة الثانية أنّ رجلاً تقدّم من أحد البقّالين، وأخذ حبّتي بندورة، وخيارتين، وقال له: “كم ثمنها”؟ فوزن، وأجابه، وتلاه رجل آخر يعرفه البقّال، فأخذ كما أخذ الأوّل، فدهش البقّال، وقال له: “أعرفك تشتري بالسحّارة، خير إنْ شاء الله”، التفت الشاري وتفقّد أنّ ذلك الرجل قد غادر، وقال له: “خشيت أن أجرح إحساس الرجل الذي سبقني فأخذتُ بمقدار ما أخذ!

aaalnaem@gmail.com