المجلس العتيد.. تحديات وآمال

ثمة جملة واحدة تلخص حال الاستحقاق الانتخابي القادم الخاص بمجلس الشعب، ومفادها “تجديد الرهان على الدولة بمؤسساتها المختلفة”، وهو رهان رفعه السوريون منذ اليوم الأول للحرب الدائرة في سورية وعليها في وجه كل من راهن على اخضاع السياسة وتدمير الاقتصاد و”نهب” الجغرافيا في سياق مخطط إسقاط الدولة، كياناً ومقاماً ودوراً.

بهذا المعنى، لا يقتصر هذا الاستحقاق على صفته الدورية الداخلية فقط، بل هو أيضاً – ويكاد يكون أولاً في هذه المرحلة – “قول” سياسي موجّه للخارج مفاده: الدولة راسخة وتعمل وفق أجندتها الدستورية المحترمة بمواعيدها المحددّة كما بآلياتها الإجرائية، واليوم تضع المواطن السوري العادي مرّة جديدة أمام فرصة وخيار في الآن ذاته، فرصة في اختيار من يمثّله فعلياً لمتابعة شؤونه الداخلية، باعتبار الانتخاب “عقد تكليف” بين طرفين معروفين، وخياراً في احتكار رسم مستقبله أمام الطامعين في مشاركته، أو الحلول مكانه، في ذلك.

بيد أن هذا “القول” الموجّه للخارج لن يكون واضحاً ومجدياً، وخاصة في ظل التهديدات الوجودية المتكاثرة – و”سيزر” أهمها – إلا إذا استند على ركيزة داخلية متماسكة من بنى محليّة قادرة على المجابهة، وهذا ما يجعل من المشروع، والملحّ، طرح أسئلة شتى عن قدرة المرشحين، ورغبتهم، في “تشريع” هذه البنى وترسيخها، وذلك يتطلّب، بدوره، أسئلة أخرى عن مؤهلاتهم لذلك، أي النظر في بنيتهم السياسية وانحيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية وعدتهم النظرية والعملية والأخلاقية الكفيلة بذلك.

والحال فإن “النظر” في ذلك والحكم فيه هو “مسؤولية الناخبين قبل كل شيء آخر” لأن “الديمقراطية مسؤولية”، وتلك دعوة لضرورة المشاركة الكثيفة وسلامة الاختيار، وهذا كلام حق لا جدال فيه، لكن إذا كانت المشاركة السياسية، ترشيحاً وانتخاباً، هي جوهر الديمقراطية الحقيقي، فإن جوهر هذه “المشاركة”، وخاصة في الشق الانتخابي، هو الإرادة “الحرة”، “العاقلة”، الأمر الذي يفترض توافر الديمقراطية المعرفية والمجتمعية قبل السياسية، مع استقرار اقتصادي معقول، وإلا لن يكون أمامنا سوى صناديق اقتراع مليئة بأوراق الطائفية، والمذهبية، والقبليّة، والعشائرية، وأسماء من “يدفع أكثر” في مجتمع “يحتاج” بشدة في ظل حصار اقتصادي أدى، مع تغوّل الفساد، إلى تفاقم المشكلة الاجتماعية والاقتصادية والتي تأكل، فعلياً، الطبقة الوسطى “الحامل الاجتماعي الأساسي والمحوري لأي مشروع نهضوي أو مشروع تنمية شاملة لأي بلد أو أمة أو حضارة”.

وهنا تحديداً يمكن الإشارة إلى ظاهرة مميزة، مفادها طغيان فئة “الممتلئين” مادياً – كي لا نستخدم تعبيراً آخر – على قوائم المرشحين المستقلين – حتى في فئة العمال والفلاحين – كما أنهم متواجديو أيضاً في قوائم “الوحدة الوطنية” بصورة ملحوظة. وليس مخاطرة بشيء التوقّع أنهم، أو أغلبيتهم، سيكونون في المجلس المقبل، وذلك حق طبيعي لا يمكن لأحد الانتقاص منه فهم شريحة مجتمعية هامة، و”المجلس” يمثّل كل الشرائح، ولكن هل ستتوافق نسبتهم في المجلس مع نسبتهم الفعلية في المجتمع الذي تتسع، يوماً إثر آخر، قاعدته الفقيرة وتضيق، يوماً إثر آخر، قمته الثريّة!!، وهي “قمة” تغيّرت، وتتغيّر باستمرار، بنيتها التاريخية – وهذا حديث يطول – وبالتالي قيمها وهمومها، ووظيفتها، الوطنية؟!، وهل سيؤثّر ذلك، إن حصل، على نوعية التشريعات الاقتصادية القادمة؟!.

تلك هي بعض تحديات يوم الانتخاب، وما بعده، تضاف إلى التحدي المزمن المتمثّل في الاتهام  الدائم بعدم الفعالية والنظرة السلبية العامة للمواطن العادي اتجاه المجلس، وهي نظرة يتحمّل الجزء الأكبر فيها أعضاء المجلس ذاتهم، الذين يعتقد، أغلبهم، أن علاقته بالناخب تنتهي يوم عبوره عتبة المجلس، وبعضهم يوم اختياره على قوائم الوحدة الوطنية، وبالتالي فإن تغييرها مرتبط بالمجلس وأعضائه وذلك ممكن إذا شعر المواطن أن تحسين الوضع المعيشي هدفاً أولاً، ودائماً، على أجندتهم، وهو هدف لا يحتاج فقط إلى تشريعات توجّه الموارد إلى المطارح الإنتاجية الحقيقية فعلياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى إغلاق مسارب الهدر وبالتالي تفعيل مهمة “إصلاح المؤسسات الرقابية. وتعزيز دور الرقابة على عمل المؤسسات”، لمواجهة تغوّل طبقة الفاسدين، وأثرياء الحرب الذين لا يملك، بعضهم، سوى مشروع النهب الدائم لا التنمية المستدامة.

لذلك كله يقع العبء الأكبر يوم الأحد القادم، علينا، كمواطنين، فبإمكاننا ألا نكتفي بالأسئلة، بل نكتب الأجوبة أيضاً لنقلب الطاولة على من يدّعي، زوراً، تمثيلنا، وذلك يكون مبدئياً -وبانتظار تبلور أسس الإرادة الحرة العاقلة- باستفتاء قلوبنا وضمائرنا والتصويت للأقرب إلى خياراتنا وانحيازاتنا وهمومنا السياسية والاقتصادية – ولو خسر بعضنا اليوم مالاً انتخابياً كرشوة مذلّة فهو سيكسبه غداً كحق مشروع – أما من يختار المقاطعة، وهي حقه، فعليه أن يتحمّل تبعاتها ويكفّ عن البكاء الدائم على “اللبن الديمقراطي” المسكوب، لأنه من فعل ذلك حين انسحب من الساحة تاركاً غيره يفعل ما يريد.

أحمد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *