رؤية في المُجريات

عبد الكريم النّاعم

– قال: “ألا ترى أنّ الحرائق المشتعلة في المدن الأمريكيّة سوف تساعد على أن تُبادر الدولة العميقة في الويلات المتحدة للانسحاب، ولو جزئيّاً، نحو الداخل، لترميم ذلك الشرخ الداخلي  الذي يتوسّع”؟

– أجابه: “قد يحدث شيء من هذا جزئيّاً، في بعض مناطق وجود قوات لأمريكا، كما هو الحال في أفغانستان، فمنذ سنوات وواشنطن تعلن أنّها تريد الانسحاب منها، وهي حين تُفصح عن ذلك تُدرك أنّها فشلت فيما راهنت عليه، بل ستخرج وتترك الجرح الأفغاني مفتوحا، دون أن تستطيع تضييق الفجوة بين السلطة الرسميّة في كابول، وطالبان.

– قاطعه: “أتعتقد أنّ شيئاً من ذلك سوف ينعكس في المنطقة التي نحن فيها”؟

– أجابه: “بالتأكيد، ولكنْ ليس كما قد يتوهّم البعض، فهي ستشتد شراسة تجاه دول محور المقاومة، لأسباب، منها أنّها ربّما اعتقدت أن صرف أنظار الداخل نحو افتعال معارك خارجيّة، قد يساعد على تخفيف وتيرة الاصطدام الداخلي في ولاياتها، وهذا تأثير ضعيف، فالأزمة في المجتمع الأمريكي بنيويّة، وعميقة، وتحتاج إلى حلول إنسانيّة، وعادلة، ولا يبدو أن قادة أمريكا الحاليّين متحمّسين لهذا.

ومنها أنّ وضع منطقة محور المقاومة يختلف جذريّا عمّا هي الأمور عليه في أفغانستان، فهنا ثمّة القلعة الأمريكية إسرائيل، وإسرائيل، باعتراف بعض قادتها، تطرح لأوّل مرّة سؤال “الوجود”، بعد التحوّلات النوعيّة المحيطة بها من قبل محور المقاومة، وهذا الكلام ليس إنشائيّا، فإسرائيل منذ إنشاء كيانها تجد نفسها لأوّل مرّة عاجزة عن استخدام تفوّقها في السلاح، لأنّها لم تعد قادرة على خوض حروب ساعة تشاء، ومصداقيّة ذلك هذا الإحجام الذي تعاني منه، فهي متفوّقة في التسليح، والقدرات التدميريّة، ولكنّها عاجزة عن استخدام أسلحتها، لأنّ ما تملكه جبهة المقاومة من صواريخ تصل إلى أبعد نقطة في الأرض المحتلّة، يضعها أمام خطر انهيار في الجبهة الداخليّة، وأيّة معركة يصل لظاها إلى مجتمعات إسرائيل الداخليّة سيجعل الكثيرين من سكّانها يبادرون إلى مغادرتها، ولذا فقد أشعلوا نيران الخراب العربي، طلباً لتفتيت المجتمعات العربيّة المحيطة بذلك الكيان، وحين بدتْ بوادر عجزهم عن تنفيذ ذلك، بفضل صمود محور المقاومة، وبفضل الدماء التي أريقت على مذبح الحرية والكرامة، انتقلوا إلى خطّة تجزئة سوريّة، الدولة المحور في المواجهة، فكان تحريك بعض الفئات الانفصالية المرتبطة بالمشروع الصهيوأمريكي، لضرب وحدة سورية الدولة والمجتمع، ولحرمانها من خيرات الجزيرة، من قمح ونفط، ولإبقائها بؤرة حريق مشتعلة، لا يُراد لها أن تنطفئ، وحين تمكّنت سوريّة بدعم من محور المقاومة، ومن أصدقائنا الروس، من الصمود طوال السنوات الماضية، أخرج ترامب قانون قيصر الشيطاني الذي لو تمكّن لقطع الهواء الذي نتنفّسه عنّا، ولا أستبعد أن يكون بين يدي القيادات الأمريكيّة معطيات لا تجعلها مطمئنّة حتى إلى نتائج هذا القانون الإجرامي، ولذا عمدتْ إلى فتح أقنية جديدة تزيد في إحباط المواطنين في هذه البقعة من الأرض، وهي خروج الإمارات العربيّة إلى إعلان خطوات غرضها البدء بإعلان التطبيع مع الصهاينة، أقول “إعلان” لأنّ التطبيع بين بني سعود ودولة الإمارات كان قائما على قدم وساق، وإخراجه إلى العلن تقتصر أضراره على النّاحية النفسيّة، أمّا من الناحية العمليّة فهو عديم القيمة، لأنّه لن يضيف شيئا إلى ترسانة العدو، وهو إيذان ببدء أزمنة جديدة علنيّة الوجه والتوجّه، فبعض حكّام العرب، ليسوا أكثر من أدوات بيد واشنطن والصهيونيّة العالميّة، وبيوتات المال في الغرب، ذلك المال الذي لا يملك مودعوه العرب حقّ تحريكه إلاّ بما يتوافق مع مصلحة تل أبيب وواشنطن، وما أعتقد أنّ ما فرضتْه واشنطن من خطوات تطبيعيّة يعبّر عن ارتياح، بل هو أحد عناوين القلق ممّا قد تحمله تحوّلات مفاجئة، ولذا فهي تريد مصادرة القدرة على الحركة، ومصادرة المستقبل، لتكون المنطقة مجالا حيويّا لإسرائيل، وهذا ما لن يكون، وهذا يقتضي في الوقت ذاته، ترميم ثغرات الداخل كشرط رئيس لنجاحنا في الصمود..

aaalnaem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *