مجلس الشعب.. غداً يوم جديد

بعد انقشاع الانتخابات النيابية وجلاء صورة المجلس الجديدة، فإن أنظار الناخبين، والمهتمين، لن تتّجه من الآن فصاعداً إلى أسماء الناجحين فقط، بل ستكون موجّهة بالدرجة الأولى إلى أدائهم وقدرتهم، أفراداً وكتلاً نيابية، مستقلين وحزبيين، على تحقيق أمرين متلازمين: الأول، تخفيف “التباعد” المكاني والنفسي والفعلي مع قضايا الناس وهمومها، والثاني، زيادة فعالية أطر المواجهة مع تبعات الحرب في سورية وعليها، وهي ضخمة ومعقدة.

وبالطبع هذا لا يعني أن الحديث سيتوقّف عن الانتخابات ومجرياتها، دروساً وعبراً، والأعضاء الجدد وخلفياتهم وتوجهاتهم، تفحّصاً وتمحيصاً، والمال الانتخابي الذي يطمح منفقه – بعد أن امتلك “رأس المال” الفعلي – لامتلاك “رأس المال الرمزي” المتمثّل بعباءة مجلس الشعب، سواء كـ “بريستيج” و”وجاهة” اجتماعية، أو ضمان حصانة مطلوبة، أو اغتنام دور ومكان ريعي، اقتصادياً وسياسياً، يتيح له خطوة متقدّمة على المنافسين، كما الإسهام في اقتراح وصياغة قوانين تتيح له زيادة ثروته وتعظيمها، وعلى الغالب ما سبق كله مجتمعاً، دون أن نغفل حقيقتين هامتين: الأولى، إن ذلك حق مطلق لهم – باعتباره مجلس الشعب كله وهم فئة “فاعلة” منه – على ألا يتعسّفوا ويتجاوزوا في استخدامه، والثانية، أن لبعضهم همّاً وطنياً بامتياز تردفه دراية عميقة واعية بأن اقتصاداً وطنياً منتجاً ومعافى مفيد لهم أيضاً، وهو ما يدفعهم للعمل الدؤوب من خلال المجلس على تحسين وضع المواطن والمجتمع وزيادة مناعتهما الاقتصادية والاجتماعية.

ولأن الحديث لن يتوقّف، والناس يعرفون أن للمخاطر الخارجية وقضايا الميدان رجالها، فإن العين على المجلس ستكون مطلبية – مطالبة ومتطلّبة – وفاحصة، وناقدة لأدائه الداخلي تجاه القضية الاجتماعية الاقتصادية والوضع المعيشي الضاغط وما يتصل بهما من كيفية قيام المجلس بواجباته في اقتراح القوانين والقيام بإجراءاته الرقابية التي تبدأ من حقه الدستوري في “أن يؤلّف لجاناً مؤقتة من بين أعضائه لجمع المعلومات وتقصي الحقائق في المواضيع التي تتعلّق بممارسة اختصاصاته”، لترقى إلى مستوى إمكانية حجب الثقة، في حال الارتكاب أو التقصير، عن وزير محدّد، أو عن الوزارة مجتمعة.

بهذا المعنى يبدو الرهان على المجلس عالياً ومبرراً، وإمكانية العمل لتقديم الأفضل موجودة دون خوف أو ارتباك، فالنائب محصّن “طيلة مدة ولاية المجلس”، و”لا يسأل جزائياً أو مدنياً بسبب الوقائع التي يوردها أو الآراء التي يبديها أو التصويت في الجلسات العلنية أو السرية وفي أعمال اللجان”، وبالتالي لا شيء يمنعه من تفعيل حقه في “اقتراح القوانين”، أي المبادرة إلى التشريع دون انتظار الحكومة لتقوم هي بذلك، وبالتالي الكرة موجودة من الآن فصاعداً في ملعب المجلس، وأعضائه، ليغيّر في أدائه ونظرة الناس – وحتى بعض أعضاء الحكومة – إليه، وما أعلنه وزير سابق عن اهتمامات بعض أعضاء المجلس مقلق بكل المقاييس، ويشي، على الأقل، بعقلية انتهازية لا يهمها سوى ذاتها، وتلك قضية يجب أن تكون محط عين الإعلام الوطني في المرحلة القادمة.

لكن المعضلة الأهم، في رأينا، تتمثّل في عدم تمتّع عدد معتبر من الأعضاء بالخلفية الكافية للإحاطة الكاملة والوافية بجوهرة مهام المجلس – أي التشريع وما يتطلّبه من إجراءات سن القوانين ومناقشتها – وهذا أمر طبيعي نظراً لخلفياتهم المعرفية المختلفة وعدم تمتعهم بالاختصاص، أو الاهتمام الكافي، لسبر تعقيداتها وخاصة القوانين المالية منها، الأمر الذي يستدعي ضرورة إخضاع الأعضاء، وخاصة الجدد منهم، لدورات تدريبية قانونية، ولأنها ليست كافية بطبيعة الحال، فمن الملحّ وجود مكاتب مختصة أو مركز بحوث سياسية واقتصادية وقانونية جاهز لتقديم الاستشارة اللازمة لعضو المجلس في عمله التشريعي الصعب والمعقّد.

بالمحصلة هذا مجلس جديد في مرحلة صعبة بامتياز، والمجلس بتاريخه وطبيعته وموقعه ودوره أداة مهمة في اجتيازها، وعلى الأقل التخفيف من تبعاتها، وتلك مسؤولية تاريخية نأمل جميعاً أن يقوم بها على أكمل وجه ممكن.

أحمد حسن 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *