الفن صانع الجمال

مهمة الفنون أن تقدم الجمال والمتعة والإحساس بلذة الأشياء الجميلة، ومن الطبيعي أن يتفاوت هذا الإحساس من فرد لآخر، بناء على تفاوت الثقافة والخبرة، وهذا الإحساس يساعد الفرد في التعرف على ذاته وعلى الآخرين وعلى العالم بصورة أفضل، ويتفق النقاد على قبول أن تكون الأشياء القبيحة موضوعاً للإبداع، طالما أن الحكم سيكون في نهاية المطاف على التقنية وبراعة التناول وفرادته وليس على الموضوع.

وكلما كان الفنان أصيلاً استطاع أن يبرر موضوعه من منظور جمالي، عبر ملكة التحويل العجيبة التي يمتلكها، والتي تجعلنا نستمتع بجمال تناول الموضوعات كافة سواء أكانت جميلة أم قبيحة.

والجمال هنا يعني قدرة الفنان على تصور الكمال الكامن في الأشياء، وعلم الجمال غايته البحث عن الكمال فيما يتم طرحه من أفكار وإنجازه من أشكال، وبما أن الحياة الواقعية مفعمة بما هو جميل وما هو قبيح، كان من الطبيعي أن يتناول الفنانون القبيح والجميل كما لو كانا متساويين في حق الوجود في أعمالهم؛ والفنان الأصيل قادر على فرض رؤيته ورؤياه على إنتاجه بغض النظر عن الموضوع الذي يتناوله، والجمال والقبح يتساويان في ذاكرة الفنان، ما يتيح له تناول هذا أو ذاك بالدرجة ذاتها، ويحضر في الذهن قيام الممثل بأداء الأدوار السلبية والإيجابية، المهم عنده إتقان الأداء وتجسيد الشخصية بأمانة وصدق.

ويزعم (فان كوخ) بأن: “للأشياء القبيحة خصوصية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة “فالفنان يعيد إنتاج ما يراه، وما يختزنه في ذاكرته، ضمن سياقات فلسفية أو جمالية خاصة به، عبر عملية التأويل، وعبر ما يتركه للمتلقي من فرصة ليقوم هو الآخر بتأويله الخاص به؛ والمقياس الوحيد للحكم على العمل الفني يكمن في قدرة الفنان على التقاط لحظة التوهج وإعادة إنتاجها عبر العمل الفني.

وعندما يقف المتلقي أمام الأعمال التي تتخذ من الأشياء القبيحة موضوعاً لها يجد نفسه مضطراً لمناقشة القيم المستقرة في ذاكرته، فالمتلقي خلال تذوقه للعمل الفني إنما يعيش حالة الموقف الجمالي المطلوبة، ويتمثل الموقف الجمالي الذي ابتدعه الفنان بغض النظر عن موضوع هذا العمل.

واستناداً إلى مقولة أرسطو التي تدعي أن (الفن عملية تطهير) أستطيع القول: إن اختيار الفنان للأشياء المتعارف عليها بأنها قبيحة قد يكون لأهداف تطهيرية كما في حالة الهجاء مثلاً؛ وبالإضافة إلى ذلك فإن تناول القبيح يساعد في فهم قيم الجمال والقبح بصورة أعمق، وفي تطوير قدرات الإبداع والتذوق في آن معاً.

والملاحظ أن ثنائية القبح والجمال من أشد الثنائيات الميتافيزيقية تعقيداً وغموضاً، لأن القبيح قد يشمل جانباً مهماً من حيوية الحياة نفسها، ويكون بذلك نوعاً من أنواع الجمال، وحين نحكم على عمل ما بأنه جميل لا يعني أننا نحكم عليه بأنه غير قبيح، وكأننا إن فعلنا ذلك نجعل القبح يسكن في أعماق الجمال، وكل الذين تناولوا (جماليات القبح) حصروا القبح في المضامين، على أساس أن التناول الفني سيكون جميلاً بطبيعته، أو هكذا ينبغي أن يكون، وكل تناول لا يكون كذلك لا يمكن إدخاله في شمول الفن أصلاً.

وأختم فأقول مع (البرتو ايكو): إن القبح ليس مجرد نقيض للجمال، فثمة إمكانات لا متناهية لصنع البشع، بينما هناك إمكانات محدودة جداً لصنع الجميل.

محمد راتب الحلاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *