المقاطعة سلاح غير مجد يرفع المسؤولية عن مدعي “حماية المستهلك”

تتصدر ثقافة “مقاطعة السلع” سلوك معظم المجتمعات التي تدرك مسالك التحايل والمواجهة النافعة والمجدية تجاه أي نوع من السلع المنتجة محلياً أو المستوردة، في حال سجلت ارتفاعات سعرية غير مبررة – وإن كانت لاتزال ضمن القدرة الشرائية لمواطنيها – وهناك العديد من الأمثلة التي تؤكد نجاح الأسلوب وقدرته على إدارة أزمات الأسواق.

في الأنموذج المحلي لم تشهد أسواقنا منذ بداية الأزمة وحتى يومنا هذا سلوكاً مماثلاً رغم الخضات السعرية التي طالت معظم أسعار السلع الأساسية محلية الصنع وغيرها، ولم تنتج تغيراً ملموساً في ثقافة الاستهلاك، بل يُعبر عن الحالة باحتجاج ظاهري شكلي يرافقه المواظبة على الشراء بأسعار مرتفعة وأحياناً اللجوء إلى التكديس والتخزين تحت هاجس الخوف من فقدان المادة من الأسواق، ويستمر السلوك الشرائي على نهجه حتى تسجل المادة ارتفاعاً خارقاً يجعلها تخرج من قائمة مشترياتهم رغماً عنهم، كاللحوم والألبسة وبعض أنواع الفواكه والسلع الاستهلاكية.

غياب المقومات 

وعلى الرغم من تعويل الكثيرين على جدوى مقاطعة السلع المرتفعة كاللحوم وبيض المائدة حالياً ومادة المتّة بعد سلسلة ارتفاع أسعارها، مستشهدين بنجاح مقاطعة الموز التي أطاحت – من وجهة نظرهم – بالمادة وتجارها، وأدت إلى وفرة في عرضها بسعر منخفض بعد فترة طويلة من ارتفاع أسعارها الذي وصل لعتبة الـ  14 ألف ليرة للكيلو الواحد، إلا أن دعوات المقاطعة لم تزل فردية خجولة لم تُحدث الأثر المطلوب في قائمة الأسعار ولم تشهد التأييد السلوكي الفعلي، فهل يدرك المستهلك قيمة وأهمية المقاطعة، ودوره في إدارة الأسواق في ظل غياب الرقابة عليها وعجز وزارة التجارة الداخلية عن فرض سيطرتها على موجة الغلاء المستمرة، فالمقاطعة ثقافة اقتصادية لها مقوماتها وأسسها غير المتوفرة كما يروج لها أهل الاختصاص؟!

بدائل ضرورية

يبدو أن التعويل على ثقافة المقاطعة هي بمثابة الهروب إلى الأمام وسبيل لرفع اللوم عن الجهات المعنية في ضبط الأسعار وإلقائه على المواطنين، ما يدفع المستهلك إلى خيارات مربكة، لاسيما وأنه متلق وخياراته محدودة وليس له دور في القرارات الاقتصادية أو آلية الأسعار المعتمدة، إذ أكد الخبير الاقتصادي الدكتور سامر مصطفى أن ثقافة المقاطعة تطبق في حال وجود بدائل سلعية تلبي حاجة المستهلكين في الأسواق ولا تؤثر على أمنهم الغذائي، بالتوازي مع وجود اكتفاء ذاتي يستطيع من خلاله المستهلك التخلي أو مقاطعة سلعة بوجود نظيراتها بمواصفات متماثلة أو جودة مختلفة، ولكن حال الأسواق السورية لا تؤهل المستهلكين للعب دور مقاطعة بعض السلع، سيما الأساسية منها، بل ينحصر دوره في التخفيف من الشراء فقط وتحديد المواد الأساسية اللازمة، وهو سلوك قائم فعلياً بسبب انخفاض القدرة الشرائية، وبالتالي يمكن لميسوري الحال التأثير سلباً بترك شراء الكماليات أو المنتجات والفواكه المستوردة والتي تستهلك القطع الأجنبي، أما الدور الأهم فهو للمؤسسات الحكومية في تأمين حاجات المواطنين الأساسية، وإن كانت بجودة أقل، وعدم زج المواطنين في خيار لابد منه، كالتخلي عن سلع غذائية ضرورية ناجم عن ضعف قدرتهم الشرائية.

وعي اقتصادي

وباعتبار أن المقاطعة ثقافة مجتمعية، فمن الضروري التأسيس لها في المجتمع، ودعم المواطنين بوعي اقتصادي مدرج في المناهج الدراسية، بحسب الخبير عامر شهدا الذي نوه إلى تلك الإشكالية، إذ أشار إلى غياب الثقافة الاقتصادية التي تؤسس السلوكيات والعادات الشرائية، فلا يمكن تأسيس لعادات اقتصادية دون توضيح نتائجها ومعرفة أسبابها، وبالتالي فإن تطبيق المقاطعة يتطلب وعياً مجتمعياً لحصد نتائجها بالتوازي مع رصد العادات الاستهلاكية ونوعية الاقتصاد التي تشكل أهم الاعتبارات في آلية التطبيق، وفي السوق السورية فإن المقاطعة غير مجدية كونها تعاني من نقص في الاستهلاك وركود تضخمي وغياب معظم المواد الأساسية عنها، يرافقها ضعف قدرة المواطنين الشرائية وحصر مشترياتهم بأساسيات الحياة بالتوازي مع عدم وجود بدائل، حيث يطغى عليها الاحتكار للسلع وتغيب المنافسة عنها، ولفت شهدا إلى أن قضية الموز لم تتحكم بها المقاطعة إذ خرجت قسراً من قائمة مشتريات المواطنين بعد ارتفاع سعرها، ويعود انهيار أسعارها لعدة أسباب كآلية التخزين والحرارة العالية التي ساهمت في عطبه، وبالتالي أدى إلى طرحه بوفرة وبسرعة كبيرة تخفيفاً من خسائر التجار.

فاتن شنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *