العنف والجريمة في السينما الأمريكية

يشكل خطاب العنف والجريمة في السينما الأمريكية مرحلة مهمة في مسار هذه التجربة السينمائية وتاريخ المنجز السينمائي في العالم بشكل عام، فقد عكست مكونات إبداعية وأيديولوجية وقدّمت نماذج من الأفلام التي تنطوي على التنوع فضلاً عن غزارة ما تنتج حتى اعتادت المجتمعات المعاصرة على استهلاك هذا الكم من أفلام العنف والجريمة وتأثرت الأجيال بخطابها وشخصياتها. ومن جانب آخر فقد واكبت سينما العنف والجريمة الأمريكية مراحل مهمة من التاريخ الأمريكي وتأثرت وأثّرت في العديد من تلك المراحل الساخنة كالحروب والأزمات الاجتماعية، يضاف لهذا أن تلك الأزمات ألقت بظلالها على النظام الإنتاجي لهوليوود من جهة وعززت من قوة النوع الذي تمثل في العنف والجريمة فضلاً على تأسيس أنواع فرعية مثل أفلام الشرطي والمخّبر والتحري السري وأفلام السجن والعصابات والألغاز والغموض. وفي الواقع لا يمكن فصل منجز السينما عن المكونات التي أسهمت في تشكيل العقل الأمريكي ثم أسهمت في تشكيل الثقافة الأمريكية والفيلم أيضاً.

من هنا فإن ثمة ترابطات اجتماعية وأيديولوجية قد شكّلت مستوى ونوع اتجاهات ذلك الفيلم، وهنا تصدق قراءات العديد من المفكرين المتخصصين في الثقافة الأمريكية والقائلين إنه لايمكن قراءة العقل الأمريكي دون قراءة مفهوم العنف المرافق له، ولهذا كانت أمريكا منذ نشأتها وجهاً لوجه مع العنف سواء في تأسيس المجتمع أو في تحديد أولوياته أو في الصراع من أجل البقاء من خلال السيطرة على الأرض والثروة لإقامة ما عرف بالعالم الجديد باستيطان القارة الأمريكية، ويمكن القول إن خطاب الجريمة في الرواية الأمريكية والذي تغلغل في الوعي واللاوعي الأمريكي، أسهم في رسم ملامح أدب الجريمة وقد وفّر هذا النوع من الروايات مادة أولية للسينمائيين عبر الأجيال السينمائية اللاحقة في كون الرواية والقصة تمثل تصويراً مبدعاً للأحداث والشخصيات والمكان والبيئة، ونقلاً لصور من تطور الحياة وأنماط العيش وطريقة التفكير والأزمات التي مرت بها الحياة الأمريكية.

والسؤال المتكرر الذي يواجهه العديد من نجوم السينما الأمريكية هو إذا ما كانوا يرون علاقة بين مشاهد العنف والقتل في السينما، وقيام العنف والقتل في الحياة اليومية خارج جدران الصالة السينمائية. هذا السؤال تم طرحه أيضاً على ثلاثة ممثلين قاموا ببطولة ثلاثة أفلام بُنيت على قدر كبير من العنف والعديد من الضحايا بمن فيهم غير الأبرياء. هؤلاء الممثلون هم: سيلفستر ستالون الذي لعب بطولة “رصاصة في الرأس” لـ: وولتر هيل، وآرنولد شوارتزنيغر الذي جسد بطولة فيلم “الوقفة الأخيرة” لـ :جي- وون كيم ، وبروس ويليس الذي اضطلع ببطولة “يوم طيب للموت”، والثلاثة اشتركوا في بطولة فيلم “المستهلكون 2” الذي لم يقل عنفاً متحدثاً عن فريق يرى الحل في الانتقام والقتل المضاد.

آرنولد شوارتزنيغر قال بصوته العالي: “أبداً، ليست هناك أي علاقة بين العنف على الشاشة والعنف في الواقع، العنف في الواقع له مسببات اجتماعية، بينما العنف على الشاشة تنفيس، والحقيقة الأول هو الذي يلعب دورا في الحد من العنف اليومي”. ونفى بروس ويليس حين تم سؤاله عن وجود أي رابط، وتحدى محدثه قائلاً: “أعطني مثالاً واحداً على أن شخصاً خرج من فيلم ليرتكب جريمة قتل. هذا لم يحدث ولا يحدث، وهو ما علينا نحن أن نراه ونوافق عليه،  مثل جيمس بوند لكن من دون التشبه به وبنوعية نشاطاته بالضرورة، لدى كل واحد من هؤلاء رخصة للقتل إما ممنوحة له من قبل المؤسسة أو منحها هو لنفسه رغماً عنها وسيثبت الفيلم في نهايته أنه كان على حق.

هذا يقودنا إلى خلاصة أن العنف كحقيقة واقعة هو متشرب اجتماعي عبر مسببات غير مرتبطة بما يقع على الشاشة، فالسينما الحربية لم تتسبب في الحروب الأهلية أو في أي حرب، وسينما الرعب لاتدفع بالمشاهدين إلى ارتكاب الجرائم، وليس من فيلم تحدث عن أكل لحوم البشر كان وراء هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم مماثلة، لكن ما هو ثابت أن الأفراد الضعفاء ينحتون من الموسيقى والكتب والسينما ثقافة شعبية مشاكلة لأفعالهم الناشزة، نعم ليس هناك من فيلم يتسبب في جريمة مباشرة، لكن هناك ثقافة تستطيع أن تثري الجريمة وأخرى تحد منها، ذلك أن التماهي بين رواية الجريمة والعنف والسينما إنما يؤكد هوية ثقافية محددة الملامح شكلّت رافداً رئيسياً في تغذية منابع الإرهاب الدولي.

إبراهيم  أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *