مجلة البعث الأسبوعية

سؤال “البعث الإسبوعي” حول أدائها وموقفها السوقي.. كيف أثرت الأزمة على قوة ونشاط العلامات التجارية؟

“البعث الأسبوعية” ــ أحمد العمار

كان واضحاً، في سني ما قبل الأزمة، أن قيمة العلامة التجارية المحلية بدأت تتبلور لدى قطاع الأعمال، بالنظر إلى أنها أحد الأصول المعنوية “غير الملموسة” للمنشأة، والتي تمثل إلى جانب المادية “الملموسة” القيمة الإجمالية لها، وإن كانت تشكل عائقاً أمام احتساب أصول الشركة، سواء عند طلب القروض المصرفية، أم نقل الملكية بيعاً أو إرثاً.

وما من شك بأن أهمية هذه العلامة تأتي من دورها الرئيس في تمكين المستهلكين من تحديد منتج (سلعة، خدمة) لشركة ما، وتمييزه عن سائر المنتجات المنافسة المشابهة. ومن المرجح أن يٌقبل المستهلكون على شراء المنتج أو استعماله من جديد إذا ما نال رضاهم، ولهذا السبب ينبغي أن يكونوا قادرين على التمييز بين هذه المنتجات، هذا فضلاً عن دور محوري في استراتيجيات الإعلان والتسويق التي تعتمدها الشركات، ما يسهم في تحديد صورة منتجات الشركة (إميج) وسمعتها وشهرتها لدى الزبائن، وبفضل هذه الصورة تنشأ ثقة المستهلكين، وهي الأساس الذي يكفل إخلاص الزبائن وولاءهم.

ورغبة منا في الحصول على بعض من إجابات، طلبت “البعث الأسبوعية” من بعض أصحاب الأعمال أجوبة على أسئلة من قبيل: كيف تصف سوق العلامات التجارية؟ وما هي الأسباب التي تحد من نشاطها؟ وهل أسهم تراجع دور العلامات الأجنبية في السوق المحلية في تعزيز موقف نظيرتها الوطنية؟ وماذا عن سرقتها وتقليدها وإجراءات التقاضي وأسعارها، في حال رغبة أصحابها بالبيع أو التنازل؟

 

الجودة تخدم العلامة

يجزم فواز غليون المدير العام لشركة زيوت معدنية، هي الأكبر محليا، بأن الجودة هي أكثر ما يخدم العلامة التجارية، فللمستهلك طرق في قياس قوة وكفاءة هذه العلامة التي يجب أن تضمن له سلعة أو خدمة جيدة، فهو مثلا لا يحدد جودة الزيوت والشحوم المعدنية حال شرائها، إنما بناء على نتائج أدائها، وانعكاس ذلك على سلامة محرك السيارة أو الآلة التي استخدمت فيها هذه الزيوت أو الشحوم.

ويؤكد غليون، الذي تستحوذ شركته على أكبر حصة سوقية من سوق الزيوت المحلية التي ينتجها القطاع الخاص (أي باستثناء الكميات المنتجة في معمل مزج الزيوت التابع لمصفاة حمص) أن الشركة هي الوكيل الحصري لزيوت ألمانية معروفة حول العالم، وتنتج الزيوت محلياً تحت علامتين تجاريتين: الأولى بترخيص من العلامة الأم، والثانية كعلامة محلية خاصة بالشركة، إضافة لإنتاج زيوت لعملاء أو مناطق محددة، ولعلامات فرعية، وبالتالي، فإن جودة هذه المنتجات مضمونة بإشراف العلامة الألمانية التي يسحب خبراؤها عينات من إنتاج الشركة بشكل دوري، ويجرون عليها الاختبارات اللازمة، وهو أمر متبع لدى الوكلاء جميعا، مع الإشارة إلى أن هذه الصناعة تعتمد بالدرجة الأولى على زيوت الأساس، ثم إضافات أخرى كمضاد الأكسدة ومحسن اللزوجة ومانع التآكل وسواها..

 

مهما علا كعبها..

يقول رجل الأعمال عدنان أبو شعر، المستثمر في قطاع الأجهزة الكهربائية، إن واقع العلامات – ومهما علا كعبها – لم ولن يحميها من تسونامي انهيار إمكانيات المستهلك في التسوق، نظراً لارتفاع قيمة السلع في موازاة دخل الفرد، حتى لو قدم المنتج بضاعته بسعر التكلفة؛ ويزداد الأمر صعوبة وتعقيداً، عندما تكون هذه السلع خارج دائرة الضروريات، وتندرج تحت مسمى “الكماليات”.

ويتندر أبو شعر على حال الأسواق وضعف القوة الشرائية، اللذين لا يخدمان شهرة وقوة العلامة، مبيناً: لم أشهد في حياتي التجارية – وهي حياة طويلة وملأى بالتجارب المختلفة – انخفاضاً في طلب المستهلك وإحجاماً عن الشراء كما هو الطلب هذه الأيام، بالرغم من كل المغريات التي يقدمها المنتجون، وبالتالي فإن العيب والخلل ليس في قوة هذه العلامة أو تلك، أو في ضعف كفاءة السلعة، بل في حالة العوز والضائقة المادية التي يعاني منها المستهلكون عموماً.

 

المعارض وجمود الأسواق

تشير سيدة الأعمال ميساء دهمان، التي تنشط في قطاعات الألبسة والعطور والأحجار الكريمة، إلى أهمية دور المعارض في الترويج للمنتجات وتعزيز العلامات، داعية إلى ضرورة الاشتراك في المعارض الخارجية لترويج المنتجات السورية من الأنواع والأصناف كلها، شريطة توفير الدعم المناسب من وزارة الصناعة والغرف التجارية والصناعية وهيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، عبر تأمين مصاريف الشحن وحجز الأجنحة والمصاريف الأخرى، التي أصبحت كبيرة جداً، لأن المشترك يدفعها بالعملة الصعبة، مؤكدة أنه مع وجود هذه الصعوبات كلها، فإن مثل هذا الدعم يمكن أن يسهم في فتح أسواق خارجية كانت، فيما مضى، متاحة أمام المنتج الوطني، علماً بأنها اشتركت مؤخراً في معرض في السنغال، وقبله في آخرين في تنزانيا وجنوب افريقيا، وفي عديد من الدول العربية، فإفريقيا – من وجهة نظرها – سوق كبيرة ومفتوحة، وقد تشكل فرصة مهمة للمنتجات السورية.

وتشكو دهمان جمود أسواق الألبسة، ما حدا بها أن تعزف عن قص ألبسة جديدة، لأن هذه الأسواق تأثرت بارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج والقوة الشرائية الآخذة بالتراجع، ما جعل اهتمامات الناس منصبة على المواد الغذائية، أما بالنسبة لسوقي العطور والأحجار الكريمة، فإن الوضع من سيء إلى أسوأ، فالعطر والزينة ليسا من الاحتياجات الأساسية للناس.

 

مؤشرات سبعة أشهر

تراجع عدد العلامات التي سجلتها مديرية حماية الملكية التجارية والصناعية في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، خلال سبعة أشهر من العام الجاري، إلى 2318 علامة، كما تراجعت الإيرادات المحققة نتيجة تسجيل وتجديد العلامات والرسوم والنماذج وبراءات الاختراع محلياً ودولياً، وذلك بالنظر إلى تباطؤ النشاط التجاري، جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار وضعف الطلب، وجمود الأنشطة التجارية التي فرضها فيروس كورونا، وما إلى ذلك من الأسباب..

 

تعدّ وتقاض..

تفيد أوساط القطاعات التجارية والصناعية بأن هناك دعاوى، بمئات ملايين الليرات السورية، أقيمت ضد مقلدي ومزوري علامات تنتظر بت القضاء فيها، فيما يؤكد رجل أعمال أن نحو 80 بالمئة من العلامات المحلية الشهيرة مسجلة ومحمية، في وقت يتراجع عدد هذه الدعاوى. ويعزو مدير الحماية شفيق العزب هذا التراجع إلى طول إجراءات التقاضي التي قد تصل في حال القضاء المدني إلى عدة سنوات، وإلى سنة أو سنتين في القضاء التجاري الأكثر تخصصاً وفهماً لطبيعة العمل التجاري، والذي غالباً ما يستأنس بخبرات الوسط التجاري وأهل الاختصاص، سيما شيوخ الكار الذين يعرفون شهرة وحجم أغلب العلامات.

وتبدأ إجراءات استرداد الحق لصاحب العلامة المسروقة أو المقلدة، وفقاً للعزب، بتقديم طلب إلى النيابة العامة، التي تحيله إلى مديرية الحماية لتتأكد بدورها من صحة البيانات والوثائق، وتشكل ضابطة عدلية للوقوف على تفاصيل القضية، ومن ثم تنظم تقريراً يرفع إلى المحكمة، التي تبت في القضية بناء على المعطيات والأدلة المتوافرة لديها، وقد تحيلها إلى لجنة تحكيم متخصصة.

 

عقوبات ولجان تحكيم..

تستند المحكمة في أحكامها على القانون رقم 8 لعام 2007 الناظم للعلامات التجارية الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج، والذي تنص المادة 61 منه على عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من 300 ألف إلى مليون ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من استعمل علامة فارقة تخص غيره، عبر وضعها بسوء قصد على منتجاته أو خدماته، أو تقليد علامة، أو بيع وحيازة وتداول منتجات تحمل علامة مقلدة، أو صنع ونقش وحفر لوحات وأختام وطابعات تدل على علامة مسجلة.

 

محكمون..

يقول عضو غرفة تجارة دمشق أيمن مولوي، والذي سبق أن اشترك في حل نزاعات تجارية، إن بعض المتنازعين يلجا إلى الاستعانة بلجان تحكيم من غرف التجارة والصناعة لحل مثل هذه النزاعات، حيث تتألف اللجنة من ثلاثة أشخاص، اثنان يمثلان الطرفين المتخاصمين والثالث محكم، ويشترط لنجاح هذه اللجان، قبول الطرفين المسبق لنتائج حكمها، والاختيار السليم والدقيق لأعضائها.

ويتردد مولوي في ذكر أية مبالغ محددة تلزم لجنة التحكيم الطرف المعتدي بدفعها، مبينا أن كل حالة مرتبطة بظروفها وملابساتها، فقد يكون المبلغ في قضية عدة ملايين، وفي أخرى مئات الملايين، وإن كان المتبع في مثل هذه القضايا الصلح والتراضي القائم على التسامح والتعهد بعدم تكرار مثل هذا الفعل، عملا بمقولة (صلح خاسر خير من قضية رابحة).

لا قيم محددة للعلامات..

وينفي العزب وجود قيم محددة لهذه العلامة أو تلك، كما هو معروف عالميا حيث تقوّم العلامات سنويا، وتصدر تقارير دورية بقيمها وترتيبها بين العلامات الأخرى، حيث لا وجود لسوق حقيقية في سورية تُشترى وتباع فيها العلامات، وهو أمر يتفق معه فيه مولوي، الذي يرى أن الوسط التجاري عرف في العقود الأخيرة القليل من هذه الأعمال، لكنها تمت دونما قواعد أو ضوابط، إذ أن قيم العلامات فضفاضة وغير منضبطة، وهي غالبا ما تحدد بناء على عرض أو طلب قوي من البائع والمشتري، فضلا عن اعتبارات السوق والشهرة.

 

إلى ذلك..

وتكفل العلامة، إذا ما أحسن اختيارها والحفاظ عليها، قيمة تجارية كبيرة لمعظم الشركات، وربما تكفل لبعضها أهم ما تملكه من أصول، وتشير التقديرات إلى  أن قيمة الواحدة من العلامات الشهيرة حول العالم، مثل غوغل وفيسبوك وكوكا كولا وناشيونال وتوشيبا وآي. بي. إم، وغيرها.. قد تفوق 100 مليار دولار، ويعزى ذلك إلى ما يوليه المستهلكون من اهتمام بالعلامات وسمعتها وصورتها وخصائص ينشدونها ويربطونها بالعلامة، كذلك استعدادهم لدفع ثمن مرتفع مقابل منتج يحمل علامة يعرفونها ويثقون بها.

 

مرفوض ومحظور..

ترفض مديرية الحماية تسجيل العلامات الجديدة في حالات عدة منها:

– أسماء النوع: إذا تم اختيار كلمة “كرسي” كعلامة تجارية لبيع الكراسي، فإنها سترفض، لأن كلمة كرسي هي اسم نوع المنتج.

– صفات المنتج: وهي الكلمات المستخدمة عادة في التجارة لوصف المنتج/ مثال كلمة “حلو” كعلامة لتسويق نوع من الحلويات.

– العلامات التجارية المضللة: وهي العلامات التجارية التي من المرجح أن تضلل المستهلكين، أو تخدعهم فيما يتعلق بطبيعة المنتج أو جودته أو منشأه الجغرافي، وعلى سبيل أن تكون العلامة التجارية لنوع من أنواع السمون النباتية، هي عبارة عن رسم بقرة، لأن ذلك يعتبر تضليلاً للمستهلك الذي من المرجح أن ترتبط في ذهنه العلامة بالألبان ومشتقاتها (الزبدة).

– العلامات التي تعد مخالفة للنظام العام والآداب: لا يسمح عامة بتسجيل الكلمات والصور التي تعد منافية لقواعد الأخلاق التي يقبل بها الجميع.

– الشعارات والأعلام الخاصة بالدول والمنظمات الدولية والشعارات الدينية ورموز الهلال والصليب الأحمر، حيث لا يسمح بتسجيلها كعلامات تجارية.

– لا يجوز تسجيل العلامات المماثلة أو المشابهة للرموز ذات الصبغة الدينية البحتة والأسماء والأماكن المقدسة.