بيت الأرمنية

حسن حميد

سؤال مهم، وقارع للأبواب والذهون معاً، دار منذ أزمنة بعيدة، فحواه هل ثمة امتدادات وتأثيرات ومشتركات بين الأجناس الأدبية والفنون؛ هل من تأثير للكتل الفنية البادية والمضمرة في اللوحة التشكيلية يطال القطعة الموسيقية أو النص الأدبي بالمعنى الإيجابي، وهل من تأثيرات لفن ما تنتقل مع صاحبها إذا ما انتقل من فن إلى فن آخر، أعني هل من يكتب القصة القصيرة طوال سنوات عدة، يأخذ معه خصائص هذا الفن حين يكتب الرواية؟! بلى هذا أمر يكاد يكون بدهياً، ولكن الأخذ بهذه التأثيرات وتطويع فن آخر ليستجيب لها ويماشيها هو الصعب، والصعب جداً! وهذا رأيناه جلياً عند تولستوي وهو يتنقل ما بين القصة القصيرة والرواية النهرية الطويلة جداً، وهذا ما رأيناه عند فاتح المدرس حين كتب قصص (عود النعنع) وتأثيرات الفن التشكيلي وخصائصه فيها. خطر ببالي هذا السؤال المهم وأنا أقرأ رواية فيصل أبو سعد (بيت الأرمنية) الذي أمضى سنوات عدة من عمره الأدبي وهو يكتب القصة القصيرة، ويطور تجربته ويرتقي بها من راق أدبي إلى راق أدبي آخر، حتى غدا اليوم واحد من أهم كتّـاب القصة القصيرة المعدودين في العقدين الأخيرين من الحياة الأدبية في سورية.

هذه الرواية (بيت الأرمنية) الممتدة على سطر طويل نافت صفحاته على مئتي صفحة، هي رواية مغموسة بروح القصة القصيرة، فهي أسطر عطشى من أجل التشويق والاستزادة، وأسطر عطشى من أجل التصادي والمناداة على الأحداث، وأسطر عطشى من أجل أن تبوح الشخوص بالمزيد من الأسرار، وأسطر عطشى كي تتدمر أرواحنا وهي تبحث عن مكامن العشق وأعشاشه، وأسطر عطشى من أجل المزيد من ظلال عرائش العنب الموسومة بها بيئة الجبل الأشم!

فالرواية تجليات لكل من زلّته الحياة أو أدارت له ظهرها، إنها رواية المهمشين الذين يقضون حياتهم أحلاماً لا تصير شرفات ولا طيوراً ولا مشاتل نعناع أو حبق، إنها رواية الأحداث والخبريات القصيرة التي تلوّب على أدراج جديدة يرتقيها (ناصر) وهو يتعرف إلى البيوت بيتاً بيتاً، ويحادثها ويسأل عن ما فيها من لبابات خرمها حزنٌ يشبه أحزان نباتات البنفسج حين تعلوها أجمات الشوك، (ناصر) الذي يغدو ذاكرة المكان ليس بعمرانه فحسب، وإنما بمعانيه التي تؤبد الروح البشري ليكون قاراً ومشدوداً إلى مكان قابض على رائحة الأرض ونباتاتها، وروائح الهواء وطيوبه، ورائحة الأرض حين يبللها المطر بأنفاسه الدافئة.

(ناصر) يجوب المكان، مثل طير يواقف بوابات البيوت لا ليدخلها، بل ليقرأ مكنوناتها، ويواقف القناطر والأقواس الحجرية ليقول للماضي أنا خدينك وذاكرتك، وليقول للحاضر كن مؤدباً في حضرة الدروب التي نحتتها الخطا التي حلمت بالمجد والكبرياء حتى صارا حياةً.

و(ناصر) العاشق لا رسل له سوى نظراته السائلة! و(ناصر) الذي يغصّ قلبه وهو يرى كتل الإسمنت التي تجهر باقتحاماتها العجول فتطوي طبيعة كانت بهجة، وتغطي ساحات كانت ملتقيات للأحلام، وتنحي دروباً كانت تعريفاً لمعاصر الزيتون، والطواحين، والكروم، دروباً كانت معنى الذهاب لأن الفجر جهجه، مثلما كانت معنى الإياب لأن الشمس حنّت للغسق، ناصر العاشق للمكان (الزارة) وللناس الذين لم يغادروا طفولتهم بعد، والأحلام التي لم تتغوّل فتنادي المال والكراسي وتستجيب لهما، و(ناصر) الضوء الكشّاف لدواخل النفوس التي اكتوت بالأسئلة المُرّة..

لأن الجميل يتوارى، ولأن الفطرة تذبل، ولأن الحس الآدمي ينسحب. هذه هي رواية (بيت الأرمنية) بروحيها: المكان والناس. لأن البيت يشير إلى روح العمران القديم بأدراجه، وغرفه، وقرميده، وأسطحته التي تعري دواخل البشر أمام سماء رائية، ولأن الناس رمزٌ للمحبة الإنسانية واجتماعها.

(بيت الأرمنية) لـ فيصل أبو سعد، غنى أدبي كتبته صداقة الفنون وأجناس الأدب ليصير شوطاً أدبياً تتهجاه الحواس.

Hasanhamid55@yahoo.com

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى