الاعتماد الذكي!

هدمت سنوات الحرب عقوداً من العمل والبناء، وأمعنت في قهر وملاحقة لقمة عيش المواطن السوري، وضرب المرتكزات المؤسساتية بمختلف أنواعها، وهذا ما وازى بين خطورة الأحداث الميدانية والجرائم الإرهابية التي ارتكبتها الجماعات المسلحة، مع خطورة الحصار الاقتصادي الظالم المفروض على شعبنا تحت تسميات قانون قيصر وغيرها من العقوبات الاقتصادية التي أمعنت في التنكيل بالمجتمع والمواطن بمختلف جوانب الحياة، ومنها موارد الدولة، نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد الوطني الذي كان يتمتّع بنوع من الاكتفاء الذاتي، وطبعاً مشاهد الطوابير التي باتت حاضرة في العديد من المجالات ليست إلا نتيجة حتمية للسياسات الجائرة التي ترمي إلى تدمير الدولة والوطن، ولكن ذلك لا يلغي المسؤولية عن الأداء المتواضع للمؤسسات التنفيذية والذي لم يرتقِ بعد إلى مستوى مايجري في الحياة العامة، وهذا مايتطلّب تعاملاً ووعياً خاصاً من المواطن والمسؤول.

ولا شك أن مايهمنا اليوم هو حالة الصمود التي يتسلّح بها المواطن لمواجهة الكثير من التحديات، حيث يمارس عمله في مواقع العمل ويساهم في تقديم الإنتاج السلعي والخدمي في ظروف صعبة، واستطاع رغم التحديات أن يحوّل ظروف الحصار الاقتصادي إلى حالة إيجابية من خلال تشجيع الاستثمار التلقائي الذاتي الوطني، والاعتماد أكثر على ما هو متوفر وموجود ويمكن استثماره بأقل التكاليف بالاعتماد على أفكار بسيطة ومشروعات صغيرة ومتناهية الصغر نالت الدعم اللازم من الجهات التنفيذية.

وهنا لابد من إعادة التذكير بأهمية العمل على تفعيل سياسة الاتجاه شرقاً والتعاون مع مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون وأميركا اللاتينية، فالأزمة ظرف غير عادي يتطلّب إجراءات ومعالجات غير عادية، ويحتاج لقرارات شجاعة وحكيمة وواقعية لمواجهة تداعيات الأزمة والعقوبات، وفي مقدمة ذلك الاهتمام بالوضع المعيشي للمواطنين ضمن الإمكانات المتاحة، فالمواطن السوري الصامد يستحق في هذه الظروف أداءً استثنائياً وتجاوباً مع أبسط متطلباته، والحلول متوفرة في حال توفرت الجدية والمسؤولية في التنفيذ، وفي مقدمتها ضرورة مراقبة أسعار المواد الغذائية المنتجة محلياً والضرورية للمستهلك، وتفعيل آليات الرقابة التموينية للتجارة الداخلية، وابتكار آليات عمل تنفيذية أكثر فاعلية وصرامة تتلاءم مع الظروف الحالية بكل منغصاتها وتحدياتها.

نعم المطلوب من الجهات التنفيذية المزيد من الجدية والاهتمام بمحاربة الهدر والفساد، وتبسيط الإجراءات، وإعطاء العملية الإنتاجية ما تحتاجه وخاصة الصناعات الصغيرة المنتجة لمستلزمات واحتياجات المواطن، والاعتماد الذكي على الموارد والإمكانات الذاتية، والتخلي عن السياسات المطاطية التي لن تفلح حتى الآن في إنقاذ الواقع وانتشال الناس من واقعهم الصعب، أي انتهاج نهج الورشات الصناعية الصغيرة في العمل والإنتاج، كمعامل الألبان والأجبان وغيرها من الصناعات التي يمكن تشغيلها بموارد وإمكانات بسيطة.

بشير فرزان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *