التشهير والتكفير في عالم الميديا.. وجهان لعملة واحدة

أمجد حامد السعود

من الصعوبة بمكان أن تحتفي بإنجازات شخص ما قبل أن تراها على أرض الواقع كمنجزات مثمرة تؤتي أكلها بشكل فاعل وتقف بوجه طوفان الهرج والمرج في التواصل الاجتماعي، ومن الظلم بمكان أن تحاسب شخصاً لبّى النداء الوطني بممارسة دور المسؤول متخلياً عن كافة العروض التي قُدّمت له من الخارج خصوصاً في مرحلة تاريخية سياسية واقتصادية حرجة من تاريخ بلدنا الحبيب سورية.

لا شك في أن السيرة الذاتية لأي شخص قد تكون المفتاح الرئيسي لأي شخص أراد أن يكوّن انطباعاً أولياً عن شخص آخر، ولا شك أن الحسب والنسب هو ديدن المجتمعات العربية في أمور الاجتماع والسياسة والثقافة وحتى الأخلاق، ولا شك أن التخصّص الأكاديمي العلمي بمستوياته الدنيا والعليا هو وسيلة التباهي والشعور بالفخر لدى مجتمعاتنا العربية، وقليلاً ما نرى التقييم قائماً على مسألة الإنجاز، فمن كانت سيرته الذاتية مليئة بالمنجزات الماضية لا يعني ذلك أنه (أبو الحروف) في الوقت الراهن، ومن كان حسبه ونسبه مرموقاً على مستوى التاريخ والاجتماع لا يعني ذلك أنه وطنيّ بالضرورة، ومن كان حاصلاً على أعلى الشهادات ومن أرقى الجامعات ليس بالضرورة أن يكون الشخص الوطني المناسب في المكان المناسب، فهناك كثير من أولئك ممن استوصى الوطن بهم خيراً بناءً على المعايير السابقة، ولكن إذا ما تمّ تقييم إنجازاتهم على أرض الواقع نجد أنها بأحسن الأحوال شحيحة، وهنا نقع في فخ تجاوز حجم الاسم أو الواسطة أو الحسب والنسب أو السيرة الذاتية لحجم المنجزات لأي مسؤول شغل أي منصب كان. وهذا الفخ الذي بدأنا نلحظه على مستوى الرأي الشعبي العام خصوصاً في ظلّ فضاء إعلامي مفتوح المصدر افتراضي الوجود عنكبوتي الانتشار، أصبحت فيه مؤشرات القياس للرأي العام لها ما لها وعليها ما عليها تجاه القضايا المجتمعية المختلفة، خصوصاً وأن العامل الضابط والمعياري غائب عن ثنايا الإشاعات والتنمّر والتشهير والتكفير والافتراءات والأكاذيب التي تغزو شبكات التواصل الاجتماعي من قبل بعض روادها متعدّدي الدوافع والمآرب (الخيّرة أو الشريرة) في القيام بتلك الأفعال التي لها أثر نفسي واجتماعي خطير قد يتحوّل إلى مزاج شعبي وثقافة اجتماعية قائمة بذاتها تغلب على النقد البنّاء والتوجيه والقياس القائم على معايير وضوابط حرية الرأي والتي لابدّ أن تدور في فلك الكياسة الاجتماعية القائمة على القيم والمعتقدات والأخلاق والضمير.

هنا يمكن أن نرى أحد المفرزات السلبية للفضاء المفتوح لوسائل التكنولوجيا والاتصال التي أصبحت منابر للنقد الهدّام وتثبيطاً لبعض الهمم الوطنية التوّاقة للقيام بمنجز وطني يصبّ في إطار تصحيح المسار المجتمعي السوري في كافة المجالات، سواء في التربية أو التعليم أو الإعلام أو الصحة أو الثقافة أو الاقتصاد.. إلخ، والأمر ليس للتعميم طبعاً.

إن الأعراف والأديان والشرائع والقوانين كلها انطلقت في قياسها لصلاح الفعل وعدمه من مبدأ التعزيز في حالة الإيجاب والمحاسبة والقصاص في حالة السلب، وبناءً عليه لا يوجد محاسبة من دون وجود الدليل الناجز لذلك الفعل الذي يدين المسؤول عنه أو يرفع من شأنه، وبالنظر إلى واقع الحال في العالم الافتراضي في الشكل والفاعل في الوجود نجد أنه أصبح يجسّد الدستور والقانون الحاكم للعقل الجمعي “القطيعي” في مجتمعاتنا، وأكثر من ذلك أصبح يُستخدم كسلاح سهل الاستخدام بين أبناء الوطن الواحد لتصفية الحسابات وتشويه السمعة انطلاقاً من مسوغات شخصية بحتة، وهو ذات السلاح الذي عانت منه سورية كثيراً طوال فترة حربها مع الإرهاب.

لسنا ضد حرية الرأي على الإطلاق، ولكننا ضد الفوضى المتسلّلة إلى هذا الفضاء المفتوح في عالم الميديا الافتراضي العنكبوتي، وما يحدثه من أثر في النزوع للشك والظن والاحتمالية والابتعاد عن اليقين جعل منها دستوراً اجتماعياً وقانوناً وقضاءً وحتى شريعةً من شأنها أن تعيد المجتمعات إلى مشاعية ما بعد حداثية لها كثير من الأثر السلبي الخطير على أي بناء اجتماعي.

كثر من وجدوا ضالتهم المصلحية الشخصية في ظلّ هذا الواقع الفوضوي في مسرح (العبثية الوطنية الافتراضية) على مستوى التشهير والتنمّر، وإطلاق الإشاعات المغرضة لتحقيق المكاسب الشخصية وبمقاربة سوسيو- دينية من الممكن أن يكون ذلك الواقع مماثلاً لأسلوب التكفير الإرهابي المتّبع من قبل حائكي العبثية والعماه الديني، وما بين هذا وذاك سلوك غريزي قطيعي ناسف لمقومات المواطنة والانتماء والأخلاق وحتى الدين.

إن النقد والتقييم لا يمكن أن يكون دون منهج محدّد الضوابط والمعايير وواقع الفوضى النقدية على الشبكة العنكبوتية الافتراضية على مستوى الإشاعات والتنمّر والتشهير والتكفير وغيرها أصبحت أسلحة تُستخدم بشكل خبيث وفق أسلوب ساخر، قد يدّعي ممارسوه الوطنية من خلاله كطريق معبّدة لكي تسلك رسائلهم معابر التقبّل والإقناع وفقاً لعقلية جمعية قد يسير وراءها كثير من المثقفين وأصحاب الفكر والمعرفة.

لذلك لا بدّ من الحذر عند إطلاق أي حكم قيمي أو بناء انطباع عن شخصية مسؤولة في كافة المجالات بناءً على مقدّمات افتراضية ومعلومات مغلوطة تدور في دائرة عالم افتراضي غير خاضع للضبط، فالمعيار الأساسي لذكر محاسن شخص ما أو مساوئ شخص ما ممن يشغل ويتحمّل مسؤولية منصب تشريعي أو قضائي أو إداري هو المنجز الحقيقي الفعلي القائم على أرض الواقع، مع التأكيد دوماً على أهمية حرية الرأي المضبوط بقواعد الأخلاق والمواطنة والانتماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *