في الطابور.. كلنا!؟

د. نهلة عيسى

أتقلب في فراشي غير قادرة على النوم، ولا قادرة على الصحو، ثم أغادر الفراش إلى المطبخ، أفتح ثلاجتي وألتهم دون جوع أو حتى رغبة، ما تطاله يدي، مالح، حلو.. لا فرق! ثم أعود إلى سريري، محاولة النوم، فتداهمني كل صور النهار: لا مبالاة الطلاب الدائمة سواء نجحوا أم رسبوا، والكم الهائل من الورق، تحية طيبة ويرجى الاطلاع، والداخل ليتذمر، والخارج المتأفف، والشارع الطويل الحزين، والوطن المتكدّس بشراً في طوابير أمام كل الأشياء، خبز، وزيت، ورز، وبنزين، وفواتير، وأمل بالرحيل.. الخ، فانتفض من الفراش كمن عقد عزمه، وأشعل سيجارتي كمن يلقم مسدسه رصاصة، وأخرج إلى تراسي والظلمة حبر، ودون أن أدري أصرخ: يا رب، فيرد علي صوت متثاقل، لا أرى وجهه من شرفة قريبة: نعم يا عبدي، فينتابني وينتابه الضحك، وأتابع الكلام: إذاً أنت قريب؟ فيعيد الرد: نعم ولكني نعسان!؟.

أعود للدخول إلى غرفتي وبقايا الضحك على شفتي، وأفكر: ما الذي أوصلنا إلى هنا، أي عبث، وإلى أين المآل، ولماذا كلما ذهبت إلى حضور اجتماع للحديث عن غد الوطن، أخرج وأنا اسأل نفسي، هل كان يجب أن أذهب، لأجرب تشرّد العقل، وأنا استذكر كيف رفض (ومازالوا يرفضون) من يقودون الحوار، الإجابة على ماذا ولماذا؟! الخاصة بما يحدث لنا وبنا، وكيف أصرّوا ويصرّون على أن نقبل أو ننصاع لا فرق، بأن هذا هو الحال، بل ويطالبوننا بأن نلتهم صور قطعان كهوف العصور الحجرية، ونصوص العصور الوسطى، وقوالب ماض مضى، وهي تحاول كسر ظهر الوطن فقرة تلو الأخرى، على وقع مهاتراتهم الكلامية حول المسؤولية الوطنية، على وقع نداءات التبرّع ولو ببطانية، والهرولة في الأزقة والشوارع لنجمع أشلاء يومنا وكراماتنا، في بلد كان هو من تبرّع بالحضارة لكل الإنسانية!؟.

صحيح لماذا وصلنا إلى هنا؟ ولماذا كلما حضرت اجتماعاً، اضطر لأن اسأل نفسي، هل كان يجب أن أذهب، والآه في وطني مباراة، الفوز فيها موت مستدام مقيم، وطابع بريدي لف الأرض من شرقها إلى غربها على وجوه المهجرين المهاجرين، وثوب رث يشير إلى حقيقة، أن في كل واحد منا مشروع شهيد، ممنوع عليه السؤال عن هوية القاتل وعن جرم القتيل!؟

هل كان يجب أن أذهب، لتنفجر ذاكرتي شظايا كقارورة عطر مكسورة، وأنا أتخيّل وجوه من رحلوا وهم يحملون الوطن على ظهورهم، فكانت جريمتهم ما يحملون، وكانت دماءهم وجروحهم نصيبهم من معركة غسل التاريخ عن جلد بلد صنع التاريخ، كما كانت الجروح والدماء مفاخرنا في يوم قرّرنا البقاء في الوطن، دون أن ندري أن بعضنا لا يريدون بقاءنا في الوطن، ويعتبروننا حملاً ثقيلاً.. نقاقاً!! يجب عليه أن يصمت، ليس لكي يسمع، بل لكي لا يؤذي مشاعر من لا يرغبون بالرد على السؤال، لأن السؤال يفترض الإجابة على كيف؟ وكيف في هذا البلد الحزين، ممنوعة من الصرف!؟

حقاً، دائماً أتساءل، هل كان يجب أن أذهب لأكتب عن الموت، لأنني لا أرى سوى الموات، أم أني أرى في شهادة من رحلوا، رصيف محطة الغد، خاصة وأن لدي رغم كل الجروح أمل، بأن هذا الشعب لن يصمت عن الجرح، وأن لديه قناعة، أن الصمت ليس كفالة من الموت، وأن الحياد في هذا الجحيم جريمة، وأن إخفاء جرح الوطن، يعني تركه للقيح والعفن، والرحيل إلى منافي الذل والعار؟

هل كان يجب أن أذهب لأبكي كل مرة، نعم كان يجب أن أذهب، لأن الشمس تشرق كل يوم رغم طول وفظاظة وتجهم وجه الليل، نعم كان يجب أن أذهب، لأن البحر كلما رمى موجة على شطآنه، ارتد راجعاً يستعيدها، وكلما اعتلته سفينة نظر إلى الأفق البعيد باحثاً بشوق وحب عن السفينة التي تليها، ولأنني على قناعة: أن لا شيء يعيد الوطن من الطابور، سوى الإصرار على متابعة السؤال، وإجبار من يقودون الاجتماعات على الإجابة على كيف، وسنعفيهم من الإجابة على ماذا ولماذا!؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *