مجلة البعث الأسبوعية

أهازيج النوم بوابات الأحلام.. “روح يا حمام لا تصدق”!!

“البعث الأسبوعية” ــ رامز حاج حسين

 

بطاقة الولوج إلى أرض الخيال

كنا ننام على كلمات مقفاة ومسجوعة، فيها عبق رائحة الزمن الجميل، وكأنها قادمة من رقم طيني خطته يد عجوز طاعنة في السن أدركت معاني لغات الإنس والجن كلها، فصاغت تعاويذ سحرية مفهومة لنا ولذائقتنا الطفلية، على غضاضة عودها، لا طلاسم فيها، ولكن السحر الكامن الذي تتركه هو المبهم بالنسبة لنا.

من أين استقت الجدات والأمهات تلك الكلمات؟ من أين صاغتها الذائقة الجمعية لسكان هذه الأرض؟ من كان شاعر تلك الذائقة وناظم كلماتها العذبة؟ من كان الحادي الأول لقوافل أحلامنا الهانئة؟ يقود مخيلتنا مع أسراب الحمام، والجدة تهز أهداب خيوط الصوف وتهز معها شغاف قلبنا، وهي تقول: “يا الله تنام.. يا الله تنام.. لاذبحلك زوج الحمام”.. رعشة صغيرة تصيب أرواحنا من كلمة الذبح، كنا نستشعرها!!

الآن، ونحن نتذكر تلك اللحظات، وتتعلق عيوننا المفتوحة على عالم الدهشة من شفاه الرواة، وننتظر النتيجة، فيتم إرضاء البراءة والفطرة السليمة أن لا ذبح ولا دم ولا عنف في غنائيات السوريين الأوائل: “روح يا حمام لا تصدق.. عم أضحك على ]طفلي[ لينام”، ويكون لزهو انتصار البراءة معنى خاص، حين تتم تسميتنا بدل كلمة ]طفلي[، فهناك ريم وأحمد وسلمى وشام وخالد وربيع.. كلنا شركاء في هذه الأهزوجة ونبضها الروحي الخالد، كلنا أبطال الحكاية هنا، وكلنا فرسان أحصنة الخيال فيها.. أجل، نحن المقصودون بدلال الجدة والأم والأب والعم والخالة، وكل أهل طين هذه الأرض.

وذاك الجمّال صاحب الجِمال التي تسير في قافلة، ويصر أبداً على إمالة إحدى تلك الأحمال التي على ظهر أحد الجمال: “يا جمال حملك مال وأنا حملي ثقيل”، وتنساب وراءها قافلة من الرؤى والصور عن طريق فيه الصحراء والواحات المخضرّة، فيه الرمال والتراب اليانع.. وتزهر بتلات الأقحوان على جانبيه، وتنبثق الزهور كما تنبثق في مخيلتنا ألف كلمة وليدة وكلمة، وترتسم في روحنا ألف صورة جميلة وصورة، وكأننا صفحات قصة مصورة أبدعتها يد رسام حصيف متقن لفنه وألوانه.

كل الثقل اليوم، ونحن نستذكر حالاتنا على ضوء الشموع، وضوء الكاز الرهيف الخجول وهو يعاند الظلمة، ويرسم لنا خيالات الوهم والخوف: الخوف من العفريتة، وملوك الجان، والغولة، والساحرة الشمطاء، والضبع الأغبر القابع في زوايا عتمات الزواريب القديمة المفضية لطاحونة هناك، تطحن لنا الحَبَّ والحُبّ، وتصر أخشابها بمعزوفة فيها من الرهبة ما فيها! ومن رجفة القلب الصغير ينبثق أمان حضن الأم والجدة لنلوذ به كل ليلة.. خيالات الوهم والخوف تتحول حين نكبر لابتسامات عذبة، ونحن نستذكر تلك اللحظات، وفي حالات كثيرة – حين نكبر – خيالات المحبوب والمغامرات التي ننوي القيام بها خلف التلال والجبال العاليات.. وتلك الغزالة التي أضاعت بناتها الظباء الثلاث، “فواحدة أخذتها قبائل العرب، والثانية من حصة الأكراد، والثالثة اصطحبها الغجر لبلاد غير بلاد”!! أي خيال أفضى لهذه الأسطورة المختزلة في كلمات قليلات؟! هذه دعوة لنتأمل سوية معانيها، وأنا أنقلها لكم من ذاكرتي الطفلية وقد ظلت محفورة فيها حتى هذا الوقت، لنتفكر بالمعاني والدلالات، وبتلك المخيلة الخصبة البكر التي صاغتها: “يا جمّال العرب سير.. وهات لي معك لطفلي سرير.. قُبّته من ذهب.. ورجليه من حرير.. راحت الغزالة تشتكي.. قالت: يا ربي فقدت ولادي.. فقال لها: صومي وصلّي.. واذكري الهادي.. كنّا ثلاثة ظباء على شط البحر نصطاد.. حكم علينا الإله واصطادنا الصياد.. وحدة أخدوها العرب.. والثانية أخذوها الأكراد.. والثالثة أخذها الغجر لبلاد غير بلاد”.

 

ذائقة خام من الذهب الخالص

أذكر أنني تربيت في حجر جد لي يتقن سرد السير الشعبية كلها (الزير وعنترة وأبو زيد). كان يتفنن، وهو يهدهدنا في الليالي الباردات لكي نشعر بدفء الأنشودات، في ليّ عنق الكلمات، ويجعلها كالحمل الوادع بين يديه المتشققتين بفعل طين الأرض وتبذير البطيخ الأحمر مع قدوم الخريف.. الملفت أنه كان يعلمني أن للحكاية ألف درب ودرب لروايتها، ولها ألف طريق وطريق لختامها، يحلو له كل مرة أن يسردها بسياق جديد، وينهيها بطريقة ملفتة جديدة، وكأنه والدهشة والفضول على موعد رسمي دائم لا يفوتان بعضهما كل مساء.. منذ نعومة الأظفار، هناك تحت سقف عالٍ كجبينه المرفوع حد قبة السماء، كانت جداتنا يتقنّ وصف المشاهد البطولية للفرسان المخلصين للأميرات، والأرض كأبهى حلة يمكن أن تقود خيالنا إلى كائن يشبهنا، سيغدو قدوتنا في كل محفل، حين نستلم شهادتنا الدراسية، وحين نرتقي في مناصب العمل، وفي الحياة والحب، وحتى في الانكسار النبيل من خذلان من نحبهم، رفاقاً وأخوة وأحبة.

يقول جوزيف كامبل في كتابه (البطل ذو الألف وجه): “سواء أكنا نصغي باستمتاع إلى أغنية حالمة لساحر من الكونغو بعينيه الحمراوين، أم كنا نستسلم بنشوة إلى ترجمات لقصائد صوفية من لاوتسي، أم لواحدة من الحجج المتصلبة لأتباع توما الأكويني، والتي نستطيع أن نفك طلاسمها بين الفينة والفينة، أم إذا كانت ثمة حكاية مدهشة من الأسكيمو يجعل مغزاها النور يشرق فينا، فسيكون الأمر ذاته على الدوام: في كل تبدل ستكون هنالك قصة ثابتة تلفت النظر إليها، وتكون دائماً مصحوبة بوعي ما فائض، لم نتمكن من القبض عليه حتى الآن، ولم نتعرفه بشكل حاسم، أو نعبّر عنه”.

 

إعادة تدوير عجلة الحب

الدعوة هنا لنعمل أمهات وآباء على إعادة خلق الحالة الوجدانية في خلد أطفالنا، وليتم ذلك عبر مبادرات ثقافية من رعاة المنابر الثقافية للأطفال:

– تجميع هذه الأنشودات الصغيرات وتدقيقها وتمحيصها ورسمها وإخراجها على شكل كتيبات صغيرة.

– تلحينها وتسجيلها بألحان قريبة من الأطفال، ليتم تداولها على نطاق واسع، لإعادة غنائها للطفلة الغافية بهناء في حجر جدتها.

– ابتكار كلمات وقصائد جديدة من وحي روح تلك القديمة، وصناعة مثيلاتها.

وتطول قائمة المقترحات.. النية، هنا، لا تكفي، ولابد من خطوات عملية في هذا المضمار.

“يا شميسة ربي.. اطلعي لا تتخبي”.. اطلعي على مستقبل أطفالنا، وأحلامهم، وساهمي في تحقيقها ولو بالقدر اليسير، فلهؤلاء السادة السوريين الصغار حق بأن يكون لهم شمس جميلة نبيلة تشع على أمانيهم المحققة، ولو بعد حين.