عقلية “من العب للجيبة”..!

هناك مثل عامي يقول: “من العب للجيبة”.. وعلى ما يبدو فإن حكوماتنا المتعاقبة، التي لا جديد فيها ومنها، غير مفاجأتها هي نفسها بالأزمات المتتالية، ومفاجأتنا بها، على قاعدة الكل متفاجئ، وبالتالي على الكل تحمّل المسؤولية..!

نعم، هذه هي العقلية السائدة منذ زمن، والتي لم تحاول أو تستطع المحاولة، في أن تكون هي المُفَاجِئَة، سواءٌ لنا أم للغير، ولو لمرة واحدة.

قد يقول قائل: ما العلاقة بين المثل، والمفاجأة والأزمات وعدم القدرة؟! نقول: إن الحكومات المتعاقبة، وفيما يخص المثل الآنف، لا تزال تتعاطى مع القطاعات الحكومية، لناحية إدارة المالية العامة، بشكل لا يترجم حقيقة أننا دولة مؤسسات، واستيعاب أن كل مؤسسة منها مستقل إدارياً ومالياً، وربحاً وخسارة..، عن غيرها، مع بداهة أن نتائج عائدات تلك المؤسسات نهايةً، مصبّها الخزينة العامة.

بمعنى أنه من غير المجدي والصحي، اقتصادياً ولا مالياً ولا تشغيلياً ولا استثمارياً، أن تكون أموال المؤسسات متشابكة، ليس معروفاً “يَدُ مَنْ بجيب مَنْ” فيها، ونقصد هنا قضية التشابكات المالية بين الجهات العامة التي كان لحكومة العطري قبل الأزمة، قرار صريح بضرورة حلها، وإنهاء هذا الملف المزمن المثير في استدامته للشبهات، ومع ذلك لم يحدث شيء حتى تاريخه، رغم مرور أعوام طويلة..!

استناداً لكل العلوم المالية والاقتصادية، ليس صحيحاً ولا منطقياً، أن يكون لهذه الجهة العامة – وزارة كانت أم مؤسسة أم شركة – دينٌ مالي مستمر على جهات أخرى، بحجة أن كل الإيرادات المالية في الختام ستذهب للخزينة العامة، لتقوم بعد ذلك وزارة المالية، عند إعداد الموازنة العامة للدولة، بتوزيع ما لهذا عند ذلك، وما لذاك عند هذا، وهكذا دواليكم..!

مربط فرسنا الوصول لمرحلة يتعيّن على الحكومة فيها تغيير النهج والمنهج في التعاطي مع مؤسساتها، أي التعاطي مع كل قطاع ومؤسساته بشكل منفصل في الإدارة والأعمال والنتائج، كي نضع تلك القطاعات المؤسسات وإداراتها أمام مسؤولياتها وبالتالي محاسبتها، بناء على مؤشرات النجاح والفشل، والخسارة والربح.

هذا تخبّط، ويفتقر إلى أبسط معادلات المواضيع المحاسبية، وشفافية إدارة المالية العامة، التي تؤكد ضرورة معرفة ما لكل جهة وما عليها، في نهاية كل سنة مالية، ليُصار بعدها إلى التقويم الصحيح لأعمال كل جهة ونتائج أعمالها الإنتاجية والمالية.

لكن أن نترك هذه الجهة أو ذاك القطاع، تحت “رحمة” تقديرات وزارة المالية، في أحقيتها بهذه الكتلة المالية واحتياجها لها، أكان للتبديل أم الإصلاح أو التجديد والتطوير، أو عدم الأحقية والاحتياج، فهذا لا يمكن استمراره، إذ إنه ورغم الشخصية الاعتبارية لـ “المالية”، إلا أنها في النهاية تمثل وتعكس توجّهات أشخاص طبيعيين.

توضيحاً، نذكر مثلاً لا حصراً، حين أعطت حكومة خميس، السابقة، مؤسسة الصناعات الغذائية أكثر من مليار ليرة بهدف دعمها لتأمين متطلبات السوق المحلية بأسعار مخفضة، وصفت ذلك المبلغ بـ “المنحة”، علماً أن للمؤسسة ديوناً متراكمة على جهات عامة أخرى لم يتم تحصيلها، في وقت يجب تحصيلها دون تأخير..!؟.

وعليه فالسؤال الذي يختصر كل ما سبق: هل هذه “منحة” أم حقّ للمؤسسة؟ وماذا لو كانت المبالغ بحوزة المؤسسة في وقتها المحدّد، ألم تكن المؤسسة استطاعت توظيف واستثمار تلك الأموال، ولم تحتج إلى “تكرُّم” الحكومة؟!

نعتقد أن ما سبق قد يكون من الأسباب التي دفعت رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال لانتقاد البيان الحكومي، حين اتهمه بغياب خطة تفصيلية للنهوض بالقطاع الصناعي وزيادة الرواتب والأجور لكل عمال سورية.

Qassim1965@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *