“مدن بطعم البارود”.. إرادة الحياة تولد من رحم الموت!

لم ينأ كثيرٌ من الكتّاب العرب بأنفسهم عما يجري من أحداث عاصفة في المنطقة، ولاسيما في سورية الجريحة، إذ انبروا إلى استلهام فصول هذه الأحداث رغم قساوتها ومرارتها، وتدوينها لتبقى شاهداً وشهادة على حقيقة الظلم والأسى الذي طال هذه البلاد.

في روايتها “مدن بطعم البارود” الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب، تتقن الكاتبة الفلسطينية بشرى أبو شرار صوغ هذه الأحداث التي اجترحتها واستقتها من حكايات عاشها السوريون خلال سنوات الحرب، وتذهب بواقعية شديدة إلى التأريخ لبطولات شهدائها وجرحاها ومقاتليها عبر شخصيات حقيقية ووقائع جارية ومستمرة حتى اليوم، تتركز في غالبها الأعم حول عشاق هاموا بمدنهم التي أضحت خرائب وذكريات مدمرّة، وعائلات أفنت سنوات وسنوات بانتظار أحبة وأبناء رحلوا وطواهم الغياب وربما لن يعودوا أبداً، متكئة في فصول حكاياتها على جملة من المراسلات التي جرت مع أناس وأصدقاء عاشوا يوميات الحرب واكتووا بأتونها وتلظوا بنيران تداعياتها الدامية.

ولئن كانت الرواية بمفهومها وبنائها الفني التقليدي تقوم على مجموعة من المكوّنات أهمها فكرة الرواية وحكايتها، والراوي سواء أكان محايداً أم خفياً، أو بادياً ظاهراً في سيرورة الأحداث ومآلاتها، الزمان والمكان، العقدة المشوقة والحبكة المثيرة، والشخصيات بمستوياتها البسيطة والمركبة، فإن بشرى أبو شرار تنسفُ ذلك المفهوم التقليدي، لتغدو روايتها موزاييكاً أو دومينو من الحكايات يدفعه بعضه بعضاً، وخليطاً من الشخصيات المتعدّدة المتناقضة التي اجتمعت حيناً على الألم وتراجيديا الفراق، وحيناً آخر على الأمل الذي ستقوم من تحت رماده المدنُ المتخمة بالفجيعة ورائحة البارود.

في حكاياتها الموجعة التي تسعى إلى الإمساك بتلابيب أرواحنا الهاربة من دموية الحرب، تختزلُ أبو شرار اليوميات التي عشناها ونعيشها، جازمين أن ميرابو ومحفوظ وعلي خزام ويارا عباس وكذا بشار عباس، وسمير القنطار وفادي عمار زيدان، الذي دهسته دبابة “داعش” في تدمر، هم نحن، في تأكيد مطلق على واقعية هذه الرواية، وأن صفوح الذي مضى دون أن يكمل قصيدته، ومكابرة ليلى المغربية على قدر غادر متشح بالسواد (ص32) والاستشهاد بمقولة الأديب الراحل غسان كنفاني: “حين تخون الوطن لن تجد تراباً يحنّ عليك.. يوم موتك ستشعر بالبرد حتى وأنت ميت” (ص33)، وفاطر الذي همس من جرح قلبه النازف: “كم أخاف أن أرى دمع أمي.. وعدتها أن أعود، ووفيت بوعدي، عدتُ إليها ولكن بذراع واحدة” (ص42)، ونمر الذي تقول والدته: “أبنائي كل إصاباتهم في أيديهم، عظام أبنائي تناثرت وسألملمها بيدي” (ص43)، وماهر الذي اكتوت وجنتاه بملح حارق يواقف طيف خطيبته ليقول: “زحفنا تحت زخات قذائف الهاون، مهما حكيت عنها لن تصدّقوني.. أول وصولي لم تغبْ عني صورة خطيبتي، وكلماتها لي مودّعة “عد لي ياماهر”.. وصلتُ مشفى حلب ويدي معلقة، سألتني الممرضة: لِمَ أحضرت يدك معك؟.. قلت لها: خاتم خطيبتي معلق في إصبعي” (ص47)، تلك الحكايات كلها تعيدنا فيها بشرى أبو شرار بوجعها وقهرها إلى تلك المرأة من مخيم صبرا وشاتيلا التي لا تملك في حياتها إلا إطار صورة تُسْكِنها ملامح أبنائها الأربعة: “عقود بعيدة وراحة يدها لا تتعب من مسح ذرات الغبار الناعمة إن مرّت على برواز صورهم، راحة يدها تتوسّد روح الحياة التي غابت عنهم وغيّبتهم..”(ص241).

على أن تلك الصورة القاتمة سعت الكاتبة بمقابلها أيضاً إلى التأكيد على أن هذه الدماء التي سالت والفجائع التي تلتها ليست نهاية الحكاية، فثمّة إرادة حياة تنثال مع دمعة المراسل الحربي حسن مهنا الذي يكاتب أمه بالقول: “يا أمي أنا أحبك.. ولكني أحبّ سورية أكثر” (ص54)، وأنيس أحمد يتيم الأم الذي فقد بصره في دير الزور وقدّم عينيه لأجل الوطن، تقول جدته: “كل صباح يمرّ بي أنيس ليشرب فنجان قهوتي.. أقول للمصابين الإصابة وسامٌ على الصدر.. جد أنيس يشقّ الأرض بفأسه يزرع ولا يزال يزرع لتورق براعم صبرك سورية.. أبناؤنا لا يهابون الموت، بل الموت هو من يهابهم” (ص57)، لتعود مرة أخرى إلى امرأة صبرا وشاتيلا التي جنّ جنونها وهي تبحث عن عظام أبنائها، تقسم أنها لو تعرف أين تكون ستدفنها في قلبها، فعظام أبنائها ستهديها الحياة (ص241)، وإلى ذلك الجد الذي رأى حملة الرايات السوداء وسمع أصواتهم الهاتفة في معلولا “جئناكم بالذبح يا عبّاد الصليب” ليردّ عليهم بعد أن أحرقوا صورة مريم العذراء وحطّموا تماثيلها وأيقونات الكنائس الزجاجية والخشبية: “خُلقت مسيحياً ولن أموت إلا مسيحياً” (ص104)، في يقين حتمي أن الحياة تولد من رحم المعاناة، وأن إرادة الحياة لابد ستنتصر، وأن إرادة الموت ستصبح في هذا الزمن القاتم أيقونة الحياة.

إن مدن بشرى أبو شرار التي تمتد جذورها عميقاً وتوغل في التاريخ لن تبدأ من دمشق وحلب وحمص ودير الزور، أو بغداد والقاهرة والجزائر، أو عدن وتعز وصنعاء وصعدة، ولن تنتهي بالتأكيد عند استنطاق حضارة سبأ ومأرب وعمون ومعلولا وماري وتدمر عروس الصحراء وبابل أيقونة الرافدين، بل سيصير الحنين إليها ثقيلاً بعد أن صارت منافي وحرائق متنقلة وأحلاماً مستحيلة لا تشبهنا ولا نشبهها، وغربة تقسو وتضني ليلنا ونهارنا، تقول الكاتبة: “من مدن بطعم البارود أكتب حكايتي، من مدن لا تعرفنا ولن نعرفها، رغم أننا نودّع الشمس منها ونستقبل شمساً، وكأن شمسنا التي هناك لا تشبهها أي شمس” (ص87)، أو قولها: “ما أقسى أن نعيش غربة ممتدة.. ما أقسى أن تغيب عنا ملامح من نحبهم.. اليوم يا صاحبي أنت تشبهني في غربة بعيدة، نمضي ونحمل وطننا في روحنا ننشد حلماً من ملامح وجوه تشبه ملامحنا” (ص86).

وعلى هذا فإن رواية بشرى أبو شرار بمتونها السردية المحكمة المشوقة، وشخصياتها الواقعية الأثيرة القريبة من الروح والوجدان، وحكاياتها التي تمرّ على المدن وحرائقها المشتعلة بدمعة لا بحبر، ولغتها المبنية وفق أنساق متتالية مختلفة دون ناظم واحد يربطها، تعدّ إضافة مهمّة إلى المدونة السردية العربية التي اتخذت الحرب وتداعياتها فضاءً لها، وأرّخت فيها لبطولات الجيش العربي السوري، وتضحيات وصبر هذا الشعب المنكوب، مشيرة إلى أن الدماء التي أُريقت لا بد وأن تسقي، رغم الألم والوجع، شجرة الأمل القادم المبشّر بفجر وصبح جديد.

عمر محمد جمعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *