الفلسفة التربوية الناجحة.. ومهمة تكوين المواطن الإيجابي

التربية عملية معقّدة ومتعدّدة الأطراف، يمكن تعريفها باختصار أنها عملية إعداد وتشكيل الفرد كي يكتسب القيم والأنماط السلوكية السليمة السائدة في المجتمع. ومن هذا التعريف نستطيع القول إن هدف التربية تحقيق نمو الفرد المتكامل الشخصية، وتنمية استعداداته إلى أقصى درجة ممكنة للتعلّم والتدريب واكتساب المهارات. وللتربية الناجحة خصائص محدّدة، فهي قبل كل شيء عملية نمو، أي نمو الطفل عقلياً وروحياً واجتماعياً وجسدياً، إضافة إلى أن لديها صفة الاستمرار، فالعملية التربوية تبدأ من بداية الحياة ولا تنتهي إلا بنهايتها، وهي مستمرة بمعنى أوسع، أي بالمعنى الاجتماعي، وانتقالها من جيل إلى جيل في المجتمع، ومن أمة إلى أمة في الإنسانية، وهي عملية تفاعلية، لا ينفع فيها التلقين، فالتلقين عملية أقرب إلى الترويض ولا يكون نتاجها شخصيات إنسانية ذكية وسوية.

التربية عمل إنساني، أي أن مادتها هم الأفراد الإنسانيون وحدهم، يقوم بها أفراد إنسانيون لتربية أفراد إنسانيين، وهي تتشكّل وفقاً لظروف البيئة بكل مؤثراتها، فلا يمكن تصّور عملية التربية في فراغ، إذ أن هناك مؤثرات هائلة في العملية التربوية منها: الأصول الفلسفية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية والنفسية والإدارية والاقتصادية والصحية، كل ذلك يؤثر سواء من الناحية النظرية أو العملية.

تأصيل الثوابت 

توظيف الثقافة والفلسفة هو العمل الأساسي لتكوين المواطن الإيجابي بكل أبعاده، فالفكر الفلسفي يعمل على وضع إطار عام لوظيفة التربية من خلال القيم والمبادئ التي تقوم عليها، أي الربط بين أهداف التربية وغايات المجتمع. والفلسفة تعني الأفكار، أو الحكمة والتأمل ووضوح الرؤية، وهي من أهم الأصول التربوية، والأفكار الفلسفية بمعنى عملي هي: لماذا أربي أولادي؟ وكيف أربيهم؟ هل أعلّم الولد كيف يعيش لحياة فانية فقط؟ هل يكون متعاوناً مع غيره أم يكون أنانياً؟.
تلك الدوافع كلها لا بد أن يكون لها سند من التفكير الفلسفي الواضح، فالعلاقة بين الفلسفة والتربية علاقة قوية ومتلازمة، وإذا كانت الفلسفة هي ذلك النشاط الفكري، فإن التربية هي المجهود العلمي الذي يهدف إلى ترجمة قيم الفلسفة إلى عادات واتجاهات ومهارات وسلوك، أي أنها تؤصل ثوابت الأمة العقائدية والقيمية. وفي هذا المجال يجب على المربين والمعلمين أن يطلعوا على آراء الفلاسفة القدماء والمحدثين.

الفلسفة الواقعية

إن الحركات التربوية وليدة المذاهب الفلسفية، ورجال التربية هم فلاسفة، فابن سينا وابن رشد والغزالي هم فلاسفة ومربون في آن معاً. والفلسفة الواقعية ترسي المعارف والمفاهيم اللازمة لبناء المواطن الواعي. كل هذا نطلق عليه علم فلسفة التربية، ونحن أحوج أهل الأرض لوضع فلسفات ورؤى واضحة في أعمالنا التربوية، لأن ضبابية الرؤية هنا تعني تخبّط العمل التربوي، وهذا التخبّط لا تكون محصلته إلا نماذج باهتة، أي تكون المحصلة أفراداً لا يعرفون وظيفتهم لأنهم لا يعرفون هدفهم وغايتهم، وهنا النتائج الخطيرة لانفصال العلم عن الثقافة، وانفصال التربية عن الحكمة، وانفصال النظرية عن الواقع. لقد جاءت تربيتنا القديمة بنوابغ، مثل ابن حيان وابن الهيثم والخوارزمي وابن رشد وغيرهم، ولأن التربية كانت واضحة المعالم، فقد عاشوا في صميمها وليس على الهامش، ويجب أن نتعاون على حسن أداء الفلسفة التربوية الواضحة، وإلا طال الانتظار دون جدوى!.

إبراهيم أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *