ست ساعات

د. نضال الصالح

رواية لمى توفيق عبّاس، التي يمكن عدّها رواية رائدة في مقاربة الجرح السوري النازف منذ نحو عشر سنوات، الجرح الذي لم يكن أحد، سوى الذئاب التي أنشبت مخالبها في الجسد السوري، يتوقّعه، أو أن يتفتق هذا الجسد عن هذا النزيف كلّه، شهداء وجرحى وحجارة يبكي بعضها بعضاً وشجراً يرهقه، كما البشر والحجر، الموت، فيصير يباساً متعباً بيباس.

تواجه الرواية الحرب على سورية بعين كاتبة يمكن وصفها، بل هي كذلك حقاً، بالابنة الشرعية للحدث السوري، بل للجرح السوريّ، منذ كان بضع صخب هنا وهناك، صخب مدفوع الأجر، أو وعد بالأجر، ثمّ تحوّل إلى دم متبوع بدم، وخطف، وقتل، وتخريب، وتدمير. كاتبة شاءت أن تكون سورية بحقّ لا سورية بالهوية، فتدفع عن سورية الأذى الذي كان يحدق بها من غير مرجع: دول وممالك مستغرقة في فواتها الحضاري، واستخبارات ممعنة في صناعة الموت، وأيديولوجيات طاعنة في الظلامية والتكفير وثقافة القتل، وإعلام ملوّث بالزيف.

لقد كنت أشرت، في غير مقال وندوة وحوار، إلى أنّ عدداً غير قليل من الأعمال الروائية التي كتبها سوريون عن الجرح السوريّ اتسم في الأغلب الأعمّ منه بما كنت اصطلحت عليه بالعمى السرديّ الذي تكثّر حتى طغى على الحقيقة، بل غيّبها، وأجهز عليها من خلال رؤيته للجرح كما يحلو لصاحب العمل أن يتجلّى لا كما تقول الحقيقة نفسها، ولطالما رددت أنّ مواجهة ذلك العمى تتطلّب أعمالاً تحقق سمتين معاً: تظهير الحقيقة كما يليق بها، والرافعة الجمالية التي ترتقي به ليكون فنّاً كما هو محاولة تأريخ أو توثيق.

رواية “ست ساعات” هي كذلك، أعني أنها تمكّنت من أن تكون محاولة تأريخ أو توثيق ومن أن تكون فناً بآن، ولعلّ أهمّ ما ميزها في هذا المجال، ولاسيما ما يعني السمة الأولى أنها جاءت شاهداً عدلاً على الجرح لأنّها، بل لأنّ كاتبتها كتبت عن هذا الجرح من داخله، وعلى نحو مخلص للحقيقة، وبعينين مفتوحتين على الآخر، لا بعين واحدة يطيب لصاحبها أن يرى ما يشاء أن يراه، بل ما يكتفي برؤيته ويتوهم أنه يراه، وربّما ما يشاء له الآخر، القاتل أو المحرّض على القتل، أن يراه، شأن ما تواتر في أعمال روائية كُتب معظمها تحت وطأة الرغبة في قول ما لا يقوله الواقع، أو الرغبة في توريم رصيد هذا الكاتب أو ذاك من المال الذي يدفعه صنّاع الموت.

في الرواية تختزل لمى توفيق عباس سيرة الحرب على سورية عبر غير حكاية عن غير شهيد وجريح من رجال الجيش العربي السوري من خلال عيني شخصية رئيسية هي مريم التي تروي سيرة أسرتها وهي تتضرّج بسيرة الحرب، والتي قضت شهيدة شأن مَن سبقها من غير قليل من السوريين إلى مجد الأبدية، وممّن “عشقوا الوطن حدّ الثمالة، وافتدوه بكل غال، بعد أن عرّشت روحها على جدران دمشق العتيقة ياسمينة سيبوح عطرها لكلّ زائر بقصة وطن لن يموت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *