تجارب الأدب..!

حسن حميد

أتساءل دائماً، وأنا أرى رحيل الأدباء الكبار يترى بين وقت وآخر، وقد تأثرنا بهم، وتعلمنا على أيديهم وكتاباتهم، ومشينا في الدروب الظليلة التي مشوها، وتحيدنا ما أصابهم من أذيات، أو ما اعترضتهم من عقبات، قرأنا للكثير منهم نصوصاً في المناهج الدراسية، وعرفنا مؤلفات بعض منهم أنها أخذت طريقها إلى الرسائل الجامعية (الماجستير والدكتوراه)، مثلما عرفنا أن حياتهم كانت ملأى بالنشاطات والحضور والصخب الأدبي الجميل، بعض منهم نال جوائز تقديراً لمدونته الأدبية التي أنجزها، وبعض منهم تحيّدته الجوائز، ومثل هذا الأمر لا يحدث في بلادنا فحسب، وإنما يحدث في بلدان كثيرة، منها العربية وغير العربية، وهنا أود القول عبر الأسطر الآتيات لماذا لا تُقدم مراجعات نقدية مهمة عن حياة هؤلاء الأدباء الذين رحلوا، تضع الواحد منهم في مكانته الأدبية التي يستحقها بعد أن غادروا وتركوا لنا مدوّنة أدبية نفاخر بها، ونحن نعرف أن مراجعات نقدية نهائية تمّت لأدباء ذاع صيتهم في العالم بعد أن رحلوا، أي بعد أن زالت كل التأثيرات التي كان من الممكن لها أن تؤذي تجربتهم الأدبية أو تزيد في أهميتها مبالغةً، حدث ذلك بعد أن رحل بوشكين، وشكسبير، وبوكاشيو، ودوستويفسكي، وغوغول، في العصور القديمة، وصموئيل بيكيت، وجيمس جويس، وهمنغواي، وفرجينا وولف، وماركيز، وبورخيس، وآلان روب غرييه في السنوات الأخيرة، وهذه المراجعات تمّت بتكليف نقاد لهم حضورهم وسمعتهم وقدرتهم على تقييم النص الأدبي، وغايتها الوقوف على أهمية الأدب الذي تركوه وراءهم وبعيداً عن كل تأثير أو مؤثر يجعل هذه النصوص أو المؤلفات تهتز أو تثبت من دون وجه حق!

ترى، وقد رحل عشرات الأدباء الكبار عن عالمنا، لماذا لم نرَ دراسات نقدية جادة وافية في معانيها وقيمتها تحقّب لمدوناتهم من جهة، وتُقيّمها التقييم الموضوعي من جهة أخرى. رحل الروائي الكبير شكيب الجابري، وترك لنا روايات مهمة عدت في حينها ريادة مهمة لفن الرواية في سورية، لكن النقد الأدبي الرصين لم يلحق بتجربته الأدبية لنعرف مكانتها وأهميتها ودورها في تأسيس فن الرواية الأصيل في بلادنا، ورحل الأديب جورج سالم الذي افترع البعد النفسي للقصة القصيرة في سورية، وللأسف لم تلحق بتجربته المهمة جداً تحقيبات نقدية تليق بهذه التجربة التي شُغلت بالأبعاد النفسية والمقولات الفلسفية وطوّعتها لتكون في خدمة الأدب من جهة، ولبيان الأبعاد التي تجول فيها الشخصيات لمعرفة أسباب هذا الجولان من جهة أخرى، ورحل الكبير نزار قباني منذ سنوات، وما زالت المقالات التي تكتب عن شعره تنوس بين حدين أحدهما قادح وثانيهما مادح، وهو الشاعر الذي كان وسيبقى ابن بلده العارف بأحلام أهله، وجماليات النص الأدبي وأسراره، بل كان أشبه بالمجس الحقيقي لكل آلامنا وأفراحنا في آن، لا بل كانت تجربته تماشي كل أحداث سورية في القرن العشرين، وبها تصح قراءة الحيوات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها سورية منذ عهد الاستقلال وإلى حين وفاته، وكذلك رحل الكبير عبد السلام العجيلي ولم يحقب النقد الفاعل والموضوعي لهذه التجربة الأدبية الفخيمة التي عرفناها فقدّرناها، مثلما عرفها وقدّرها قراء العربية.

قصدت من هذا الإشارة إلى أمرين اثنين أولهما، أن الحياة التي يعيشها الأديب قادرة على التلاعب بالتقييم الأخير لتجربته الإبداعية، لأن مؤثرات الحياة لها دورها في ذلك، وثانيهما، أنه لا بد من تقييم أخير لهذه التجربة بعيداً عن تلك المؤثرات سواء أكانت إيجابية أم سلبية.. لنرى الأدب بوضوح مثلما نرى الطبيعة وهي في زهوها وجمالها الربيعي، أو وهي في صورة خريفها وشتائها وهما يهمهمان وشوشة أن الربيع قادم!

Hasanhamid55@yahoo.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *