ما أشبه الیوم بالبارحة؟ مئة عام على إنشاء سورية الحديثة

“البعث الأسبوعية” ــ مازن المغربي

مر قرن كامل على تأسیس الكیان السوري من خلال إعلان المملكة العربیة السوریة التي لم تعش طویلاً نتیجة لتضافر العدید من العوامل. وحین یقوم المرء بمراجعة تاریخیة للظروف التي رافقت إقامة أول كیان سوري یٌصدم بمدى تشابهها مع الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا منذ قرابة عقد من الحرب الطاحنة.

كان هناك العدید من المحطات الرئیسیة التي سبقت الوصول إلى فكرة إقامة كیان سیاسي یستلهم نظام الدولة الحدیثة، ابتداء من “التنظیمات العثمانیة” التي كانت بمثابة إصلاحات استوحت التجربة الأوروبیة إلى حد بعید، بهدف تغییر نظام السلطنة العسكري والإداري، وإرساء الإمبراطوریة على أسس فكریة وقانونیة جدیدة. وقد أدت هذه “التنظیمات” إلى بروز مفهوم الوطن للمرة الأولى بدیلاً عن مفهوم “الأمة الإسلامية” الفضفاض الذي كان سائداً في الخطاب السیاسي.

ومع إقرار إصلاحات مدحت باشا، عام 1876، عرفت منطقة بلاد الشام للمرة الأولى دستوراً مأخوذاً عن الدستور الفرنسي والبلجیكي والسویسري، وهي دساتیر وضعیة علمانیة، الأمر الذي مهد الطریق أمام بروز شخصیات طرحت فكرة المطالبة بالمساواة بین كافة مكونات المجتمع العثماني وإصلاح أوضاع الولایات العثمانیة الناطقة باللغة العربیة.

بدأ اسم ولایة سوریة یظهر في المراسلات الرسمیة العثمانیة، منذ العام 1856، لكن حدود هذه الولایة شهدت تعدیلات متتالیة، ولم تتطابق مع حدود سوریة الطبیعیة، حیث شكلت حلب ولایة منفصلة، وتم تحویل القدس إلى سنجق مرتبط بالباب العالي، كما تم فصل الساحل عن الداخل السوري. لكن ما یهمنا من كل هذا هو أن فكرة الدولة السوریة بدأت تتبلور في أذهان أفراد النخب المحلیة، الأمر الذي فسح المجال لتشكیل جمعیات سریة مال أغلبها إلى فكرة تحسین ظروف الولایات العربیة، وتوحیدها في إطار

سیاسي، مع بقائها مرتبطة بالباب العالي. لكن كان هناك تیارات أخرى نادت بوحدة سوریة الطبیعیة وفصلها عن الدولة العثمانیة، كما كان هناك تیار طالب باستقلال لبنان ووضعه تحت الحمایة الفرنسیة.

ومن أوجه التشابه بین الوضع الذي رافق نشوء الكیان السوري الحدیث، وحال هذا الكیان، بعد مرور قرن كامل من الزمان، هو تدخل مختلف القوى الكبرى في الشأن السوري بشكل فاضح. فقد كان لفرنسا مشروعها الخاص فيما یخص الولایات العثمانیة الناطقة باللغة العربیة في آسیا. وكان لدى الحكومة الفرنسیة مبررات للاهتمام بالشأن العثماني بعد أن نجحت بفرض هیمنتها على الاقتصاد العثماني، بحیث مثلت الاستثمارات الفرنسیة، عشیة الحرب العالمیة الأولى، ثلثي الاستثمارات في الدولة العثمانیة.

واعتمدت باریس في تمهید المیدان لنشر نفوذها على شبكة المدارس التي أنشأتها، بحیث كانت تلك المدارس تستقبل سنویاً 90 ألف طالب في مختلف المدن العثمانیة، ونلاحظ أن معظم قادة ما عرف تحت تسمیة “الیقظة العربیة” كانوا من خریجي تلك المدارس، أو من خریجي الكلیات الأمریكیة. هدف المشروع الفرنسي بشكل أساسي إلى تحقیق أطماع تاریخیة في سوریة الطبیعیة، وكان لدیه توجه تفتیتي قائم على تقسیم ما كان یمثل ولایتي دمشق وحلب إلى كیانات صغیرة على أساس طائفي، مع منح موارنة جبل لبنان امتیازات على حساب باقي المكونات. ومن المؤشرات على مدى اهتمام الحكومة الفرنسیة بالشأن السوري استضافة باریس لـ “الجمعیة العربیة الفتاة”، وتسهیل نشاطاتها التي كان من محطاتها الهامة عقد المؤتمر السوري الأول، في حزیران 1913، وكان معظم المندوبین فيه من المثقفین الذین أدركوا أن مخاطر أطماع البلدان الغربیة تفوق كل مساوىء البقاء تحت مظلة الدولة العثمانیة، لذا ركزت مقررات المؤتمرعلى أهمیة الإصلاحات السیاسیة، بحیث ینال العرب حقوقاً مساویة لحقوق الأتراك. ولم یكن هذا ما هدفت إلیه باریس، لكن نتائج المؤتمر نبهتها إلى أن سكان بلاد الشام غیر تواقین للارتباط بالمشروع الاستعماري الفرنسي.

وجاء اندلاع الحرب العالمیة الأولى، وانحیاز الدولة العثمانیة إلى جانب ألمانیا، لیغیر المعطیات. ثم تبین، منذ نهایة عام 1915، أن الحلفاء سیربحون الحرب، وبدأت عملیة التفاوض على تقاسم ممتلكات الدولة العثمانیة، وصولاً إلى اتفاقیة سایكس بیكو التي منحت فرنسا السیطرة على سواحل بلاد الشام، في حین حصلت بریطانیا على سوریة الداخلیة وعلى العراق.

كما كان لبریطانیا مشروعها الخاص، الذي كان تجمیعیاً یهدف إلى إنشاء مملكة عربیة فیدرالیة ترتبط بمصر، أو بالحكومة البریطانیة مباشرة. فبعد استماتة بریطانیا في الدفاع عن الدولة العثمانیة في صراعها مع روسیا القیصریة، تغیر موقفها بشكل كامل مع اندلاع الحرب العالمیة الأولى. وصار لدى لندن، التي سیطرت فعلیاً على سواحل شبه الجزیرة العربیة التي ارتبط زعماء قبائلها بحكومة الهند البریطانیة وتلقوا منها مساعدات، اهتمام خاص بمنع السلطنة العثمانیة من إثارة مسلمي الهند، فقد كان من الأمور التي شغلت أذهان المسؤولین البریطانین موقف المسلمین، حیث كان الإسلام مصدر قلق للإمبراطوریة التي حكمت أكثر من نصف مسلمي العالم، في تلك الفترة، بعد أن تجاوز عدد سكان مسلمي الهند، وحدها، سبعین ملیون نسمة. وقد صٌدم الضباط البریطانیون بالثورة التي أشعلها مسلمو الهند، في 1857 -1859، ثم بثورة المهدي في السودان. وكان لدى البریطانیین فهم مجتزأ لمكانة الخلیفة العثماني لدى مسلمي العالم، وصار لدیهم هاجس الخوف من بروز زعیم إسلامي قادر على تجییش مسلمي العالم ضد سیاساتهم. وضمن هذا الإطار، برزت فكرة تنصیب خلیفة للمسلمین من العرب، ووقع اختیار “المكتب العربي” في القاهرة على حاكم مكة الشریف الحسین بن علي، ونجح ضباط المكتب وخبراؤه في إقناع الحسین بالانقلاب على الباب العالي. وللأسف صار مصیر بلادنا مرتبطاً بقرارات بعض الضباط البریطانیین المفتقدین للخبرة فيما یتعلق بسوریة، بعد أن تولد لدیهم اعتقاد بأن الخبرات التي راكموها في مصر والسودان یمكن أن تٌعمم على سوریة. كما كان لدیهم وهم بأن سكان سوریة، باستثناء موارنة لبنان، تواقون لأن تحكمهم بریطانیا. لقد اهتم الباحثون البریطانیون بطبیعة الدولة العثمانیة، بدایة بوصفها حلیفاً في مواجهة روسیا القیصریة. وقد كتبت الرحالة البریطانیة الشهیرة غرترود بیل: “لم یكن هناك دولة أكثر ادعاء من السلطنة العثمانیة التي حاولت إیهام العالم بأنها تمتلك سلطة مركزیة”.

في واقع الأمر، تركزت سلطة الدولة في مراكز المدن، في حین عاش الریف في ظل سلطة زعماء محلیین فرضوا هیمنتهم على مناطق جغرافیة محدودة، وتعاملوا مع ممثلي الدولة بوصفهم شراً لا بد منه. وكان للوزیر البریطاني سایكس دور رئیسي في رسم صورة الشرق الأوسط الذي تتوق لها لندن، وترأس لجنة قررت تقسیم الدولة العثمانیة إلى خمسة أقسام یفترض أن تمنح حكماً ذاتیاً، هي الأناضول، وسوریة،

وفلسطین، وأرمینیا، والحزیرة العربیة بحیث تشمل العراق. واعتمدت تلك التقسیمات منطلقات لاهوتیة لا علاقة لها بالواقع على الأرض، لكن – وللأسف – هكذا ولدت فكرة إنشاء كیان سوري. كما كان للسیاسي البریطاني لوید جورج دور كبیر في تحدید مصیر بلادنا، فبعد أن كان معارضاً للحرب، صار من أنصار الاستیلاء على أراضي العدو المهزوم. وكان صهیونیاً حتى العظم، بمعنى اقتناعه بأن بعث “مملكة إسرائیل”، وإعادة الیهود إلى فلسطین، سیكون مقدمة لعودة المسیح لیقیم مملكة الرب الأبدیة.

ومثل إعلان بلفور نقطة علام على درب إنشاء الكیان السوري وكان المسار، الذي قاد إلى إصدار ذلك الإعلان، كثیر التشعب، ومر بالعدید من المنعطفات، لكن الهدف الحقیقي الكامن وراء ذلك التصریح كان نتاج عقلیة استعماریة ضاربة الجذور في ثقافة النخبة السیاسیة والثقافیة البریطانیة.

رأى الكثیر من رجال السیاسة البریطانیین أن الوعود المبذولة للعرب لم تكن ملزمة، لأن بریطانیا اشترطت قیام الفرق العربیة المرابطة في بلاد الشام بالتمرد، وهو أمر لم یحدث أبداً، حیث ثابر معظم الضباط العرب على الولاء للدولة العثمانیة. وانتهت الحرب بهزیمة الدولة العثمانیة وانسحابها من منطقة شرقي البحر المتوسط، ودخلت القوات البریطانیة دمشق، وفرضت سیطرتها على كامل سوریة الداخلیة، في حین سیطرت الجیوش الفرنسیة على الساحل، وجعلت من بیروت مقراً لقیادتها. وبعدها بادر الجنرال غورو إلى احتلال الأقضیة الأربعة، عكار والبقاع وراشیا وحاصبیا، وألحقها بجبل لبنان.

وجاء مؤتمر السلام في باریس لیجسد بؤس أداء الفیصل بن الحسین، الذي وقع اتفاقاً مع حاییم وایزمان اعترف به بإعلان بلفور الذي تم اعتماده ضمن وثائق المؤتمر.

لقد تم تهمیش النخب المحلیة خلال مرحلة تأسیس الكیان السوري الحدیث، وهنا یكمن الفرق الجوهري بین الوضع الحالي، ووضع بلادنا قبل مئة عام. فعلى الرغم من حشد أكثر من مئة وعشرین دولة ضد الدولة السوریة، لكن الدولة صمدت بفضل وجود نخبة سیاسیة امتلكت مشروعاً خاصاً بها یركز على وحدة سوریة وسیاستها، الأمر الذي أربك صناع القرار في البلدان الغربیة. وفي الحقیقة، نحن نعیش مرحلة إعادة تأسیس ضمن ظروف صعبة تقتضي وضع رؤیة لتعزیز تلاحم المجتمع، وسد الثغرات التي لن یتردد المعسكر المعادي في استغلالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *