اقتصادصحيفة البعث

حديث نظري أم واقعي؟

عندما تتناقض أقوال الجهات المسؤولة حول قضية ما، فمن نصدق؟.

مدير الأسعار في وزارة التموين قال بما يشبه الجزم: “إن الحديث عن قيام بعض أصحاب السرافيس بالتوقف عن العمل وبيع مخصصاتها من المازوت للمصانع للاستفادة من الفارق السعري بعد صدور قرار تعديل سعر المازوت الصناعي هو مجرد حديث نظري”!.. ولكي يُثبت لنا أن الحديث نظري بحت فقد أكد “أن تطبيقه العملي صعب، لأن الصناعي لا ينتظر سائق السرفيس ليزوده يومياً بمخصصات لا تزيد عن 40 ليتراً”.

طبعاً الحديث نظري إذا افترضنا أن الصناعي تعاقد “شفوياً” مع سائق واحد فقط، ولكنه قد يتحول إلى عملي وواقعي إذا تعاقد مع عدة سرافيس أو صهاريج.!

وبالمحصلة فإن أية كمية مازوت مدعوم هي ربح للصناعي، فلماذا اعتبرها مدير الأسعار في وزارة التجارة حديثاً نظرياً، وكأنه لا يرى أزمة النقل الخانقة بعد رفع أسعار المازوت الصناعي؟!.

قد لا يبيع سائقو السرافيس مخصصاتهم للصناعيين، وإنما لزبائن آخرين لا يحتاجون لكميات كبيرة، ويجب أن يكون هذا الأمر بحسبان وزارة التجارة التي يجب أن تضع كل الفرضيات والاحتمالات لمكافحتها، ولو فعلتها لما استمرت أزمة النقل.!

حسناً، الرد المناقض أتى من مدير في وزارة النفط، قال حرفياً: “إن الفارق السعري الكبير بين المازوت المدعوم المخصص للنقل، والمازوت المخصص للقطاع الصناعي والتجاري بعد رفع سعر المازوت الصناعي، ساهم بحصول ازدحام من قبل وسائل النقل على محطات الوقود، ودفع بعض ضعاف النفوس من مالكي السرافيس ووسائل النقل الأخرى التي تحصل على المازوت المدعوم للمتاجرة بمخصصاتهم المدعومة دون أن يحركوا آلياتهم ويعملوا على خطوط النقل المخصصة لهم”!.

المسؤول الأول اعتبر الأمر نظرياً لأنه انطلق من فرضية أن الصناعي لا يحتاج لمازوت السرافيس، ومسؤول النفط استند إلى مشاهد واقعية: ازدحام غير مبرر على محطات الوقود، وأزمة نقل على معظم الخطوط!.

الملفت أن المخالفات التي يرتكبها السائقون برفعهم لتسعيرة النقل غير “مرئية” للمراقبين، لأن تفعيل دورها يرتبط بتنشيط شكوى المواطن، مع أنه يمكن لموظفي الجهات المعنية بالرقابة، سواء بوزارة التجارة أو المكاتب التنفيذية، أن يتحولوا إلى مواطنين يستخدمون وسائط النقل للكشف عن المخالفات، كما يمكن كشف غير العاملين على خطوطهم بسهولة، فالشكوى التي لا يجدها المواطن فعالة ليست الأداة الفعالة لقمع المخالفين.!

وبما أن عدد المراقبين محدود جداً، وكذلك قدرة وزارة التجارة والمكاتب التنفيذية على “ضبط الأسواق واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يقوم باستغلال تعديل أسعار المشتقات النفطية للبيع بأسعار زائدة، وتجاوز هوامش الربح المحددة لكل سلعة، أو التلاعب بالفواتير والأسعار، وبيع مواد مغشوشة أو فاسدة أو منتهية الصلاحية، أو احتكار أية سلعة”، فإنه هو الحديث النظري.!

بالمختصر المفيد: المواطن لا تهمه التصريحات من هنا وهناك سواء كانت نظرية أو تصف الواقع كما هو، ففي الحالتين يعاني يومياً من رفع الأسعار، وآخرها ارتفاع سعر البيضة الواحدة إلى حدود الـ 200 ليرة، فهل هذا حديث نظري أم واقع مأساوي؟!.

 

علي عبود