التدخل التركي في ناغورني كاراباخ.. إشعال الحرب وتأجيج الصراع

د. معن منيف سليمان

دأب رئيس النظام التركي أردوغان على استغلال مناطق النزاع في العالم لإيجاد موطئ قدم لبلاده يمكنها من التدخل العسكري وفرض سيطرتها بالقوة، فبعد سورية وليبيا، تتجه أنظاره نحو الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان بشأن إقليم حدودي متنازع عليه بين البلدين منذ عشرات السنوات، تجدد النزاع في نظر أردوغان جاء بمثابة فرصة ذهبية له للعب بالنار في القوقاز وآسيا الوسطى، وبمثابة بوابة جديدة لتحقيق أطماعه التوسعية، وتحقيق مشاريعه وأحلامه العثمانية. ولذلك لم يتوانى أردوغان عن التدخل السافر وإشعال الحرب وتأجيج الصراع بين البلدين الجارين.

يعد إقليم ناغورني- قره باغ في محور العلاقات المتوترة بين يريفان وباكو. وقد ألحق الالتحاد السوفييتي هذه المنطقة، التي تسكنها أغلبية أرمينية، بأذربيجان عام 1921، لكنه أعلن استقلاله عام 1991.

تلت ذلك حرب أدّت إلى مقتل 30 ألف شخص ونزوح مئات الآلاف. ورغم توقيع اتفاق وقف لإطلاق النار عام 1994، وقيام وساطة روسية أمريكية فرنسية تحت اسم “مجموعة مينسك”، لا تزال الاشتباكات المسلحة متواترة. وجرت أحدث المعارك في نيسان 2016، وقد أدّت إلى مقتل 110 أشخاص.

وحالياً، تشهد الحدود الأذربيجانية- الأرمينية اشتباكات مسلحة مستمرة منذ 12 تموز الماضي أسفرت عن مقتل عشرات العسكريين من الجانبين، وسط اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن هذا التوتر.

الحلقة الأحدث في سلسلة التدخلات التركية في الأزمة الأرمينية- الأذري، كشف بيان عسكري سري، حصل عليه موقع “نورديك مونيتور” السويدي، عن الدور التركي في إشعال الحرب بين حليفتها أذربيجان وأرمينيا، واستعدادها لحالة الحرب منذ عام 2015، وحسب البيان العسكري حول برنامج تدريبي للقوات المسلحة التركية بين عامي 2015 – 2016، أكد خلوصي آكار، رئيس هيئة الأركان العامة آنذاك ووزير الدفاع الحالي، على إمكانية نشوب حرب بين أذربيجان وأرمينيا.

وفي بيان وجهه خلوصي آكار إلى القوات المسلحة وخفر السواحل في حزيران 2016، قال أكار: “إن روسيا يمكن أن تدعم أرمينيا ضد أذربيجان في حالة الحرب، وبالتالي يجب على تركيا دعم القوات المسلحة الأذربيجانية من خلال توفير التدريب العسكري وتنظيم مشترك تمارين عسكرية”، حسب تعبيره.

وعثر الموقع السويدي على بيان التوجيه العسكري في ملف قضية قضائية في أنقرة أرفق به المدعي العام سيردار كوشكون وثائق سرية في التحقيق الذي جرى بمقر هيئة الأركان العامة في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016.

ومع اندلاع اشتباكات عنيفة في قره باغ، انتهز النظام التركي الفرصة لتصفية حسابات قديمة مع أرمينيا، داعياً العالم للوقوف ضدّ “الاحتلال والظلم الأرميني”، على حدّ قوله.

ويعزز الحلف التركي الأذربيجاني العداء المشترك لأرمينيا، وهو ما يستغله رئيس النظام التركي الذي يمتلك طموحات في توسيع نفوذه في القوقاز وآسيا الوسطى وكذلك الشرق الأوسط.

ويجمع بين تركيا وأذربيجان مجلس للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، يعكس عمق العلاقات وحجمها على جميع الصعد، بما فيها العسكري والاقتصادي. ويوجد في أذربيجان سكان من أصول تركية بشكل مكثف. وتمدّ أذربيجان تركيا بالنفط وكميات متزايدة من الغاز من حقل “شاه دينيز” في بحر قزوين، وهي مستثمر كبير في تركيا الحديثة، كما يوجد مشاريع تركية عملاقة في أذربيجان، بينها خط السكك الحديدية “باكو ـ تيفليس ـ قارص”، وخط نقل الطاقة “باكو ـ جيهان”.

وتعدّ أذربيجان سوقاً مهمّاً لمورّدي الدفاع الأتراك، كما تحرص الحكومة التركية على دفع التعاون بين الطرفين في مجال الدفاع كونه عنصر أساسي في إطار تجاري أكبر في محاولة للتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية الداخلية. وفي عام 2019، بلغ حجم التجارة بين تركيا وأذربيجان نحو 4.5 مليار دولار، وهدفهما هو زيادته إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2023.

وتدعم تركيا أذربيجان بسبب عدائها التاريخي مع الأرمن، التي لم تنس حتى الآن إبادة مليون ونصف المليون أرميني على يد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. وترجع إبادة الأرمن إلى عام 1915، إبان انهيار الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. ويتهم الأرمن العثمانيين بتهجير أجدادهم وقتلهم، وتقدر أعداد الضحايا في هذه الأحداث بنحو 1.5 مليون أرمني. وما تزال أرمينيا تتمسك بتبني ملف قضية الإبادة الأرمنية على يد العثمانيين، ومطالبتها بضرورة اعتراف تركيا بجريمة الإبادة. ودائماً ما يقف أردوغان ضدّ أرمينيا، حيث يرفض حتى الآن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن والمذابح التي ارتكبها أجداده العثمانيين بحق سكان الأرمن.

ويعتقد أردوغان أنه بمثل هذا التصعيد سيمتلك ورقة قوية لتقوية موقفه في مواجهة روسيا في ليبيا، نظراً للعلاقة التاريخية الوثيقة بين روسيا وأرمينيا حيث تعد الأخيرة منطقة حيوية للنفوذ الروسي في القوقاز، إذ ترى أنقرة أن التصعيد في الصراع بين أذربيجان وأرمينيا قد يدفع روسيا إلى تقديم تنازلات لها في الملف الليبي، ولا سيما أن هذا الملف بات يشكل الامتحان الأكبر لمشروع أردوغان الإقليمي في ظل الخطوط الحمر التي رسمتها مصر في سرت والجفرة، وتحوّل قضية ليبيا إلى قضية أمن قومي مصري.

ومن جهة أخرى، يسعى أردوغان لاستغلال شعار الوقوف في وجه الدور الروسي لكسب المزيد من الدعم الأمريكي هنا وهناك. إذ إنه عندما يتجه إلى التصعيد في القوقاز من بوابة الصراع بين أذربيجان وأرمينيا، يوجه بشكل مباشر رسالة لواشنطن، مفادها أنه ما زال الأقدر على مواجهة الدور الروسي، من ليبيا إلى القرم في أوكرانيا، مروراً بإدلب في سورية، ومناطق الصراع الحالي بين أرمينيا وأذربيجان، حيث تشكل هذه المناطق شرياناً للعديد من المشاريع الحيوية لروسيا في مجال الغاز والنفط والمواصلات والسكك الحديدية.

وهو في الوقت نفسه يقول لواشنطن: إن تركيا يمكن أن تقوم مكان أوروبا في القيام بالعديد من الأدوار في الساحات الإقليمية المتفجرة، خاصة أن فرنسا كان لها الدور الأبرز من خلال “مجموعة مينسك” في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا عام 1994، عقب حرب بينهما أودت بحياة ثلاثين ألف شخص، وتهجير ونزوح قرابة ثمانمئة ألف شخص من الطرفين.

ووفق محلّلين فإن أردوغان يورّط بلاده في حروب وعداءات خارجية هرباً من المعارضة المتزايدة لسياساته في ظل الأداء الاقتصادي السيء لنظامه، وما نتج عنه ارتفاع معدلات التضخم، والبطالة حتى أصبح معظم خريجي الجامعات عاطلين عن العمل بشكل غير مسبوق، إضافة إلى الاستنكار الشعبي لمحاولته تقييد الحريات وإغلاق منصات التواصل الاجتماعي بالكامل.

وخلافاً للمواقف الدولية الداعية إلى التهدئة بين أرمينيا وأذربيجان عقب تجدد القتال بينهما مؤخراً، بات الموقف التركي يشكل عاملاً مصعداً للصراع بين البلدين. إذ لا يتوانى المسؤولون الأتراك عن إعلان تقديم الدعم لأذربيجان وتوجيه التهديد تلو الآخر لأرمينيا، حتى تحولت تركيا إلى طرف مباشر في هذا الصراع، كما سارع إسماعيل دمير، مدير هيئة الصناعات الدفاعية التركية، إلى القول إن “صناعتنا الدفاعية، بكل خبراتها وتقنياتها وقدراتها، من طائراتنا المسيرة إلى ذخائرنا وصواريخنا وأنظمتنا الحربية الإلكترونية، تحت تصرف أذربيجان دائماً”، وفق ما ذكرت وسائل إعلام تركة محلية.

وفضلاً عن ذلك، دعا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أرمينيا إلى التكاتف جنباً إلى جنب، قائلاً إن تركيا تقف مع أذربيجان بكل ما لديها، حسبما أفادت الأناضول. وشدّد على أن “أياً كان الحل الذي تفضله باكو للأراضي المحتلة وقره باخ، فسوف نقف إلى جانب أذربيجان”.

كما أكد رئيس النظام التركي أردوغان دعم تركيا لأذربيجان، وكتب أردوغان، على موقع تويتر: “الأمة التركية تقف، كما كانت دوماً، بكل الوسائل إلى جانب الإخوة والأخوات الأذربيجانيين”. واتهم أردوغان أرمينيا بأنها تشكل خطراً على المنطقة، ودعا العالم للوقوف إلى جانب أذربيجان.

والحديث عن جهود تركية لنقل مرتزقة من شمالي سورية إلى أذربيجان للقتال ضدّ أرمينيا على غرار ما جرى في ليبيا، يوحي بأن أنقرة تعدّ لتصعيد كبير هناك. خاصة أن المرتزقة السوريين من “فرقة حمزة” قد وصلوا باكو في 22 أيلول قادمين من أنقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *