كي لا يظلّ العماء.. طريقاً!

حسن حميد

صرخة كبيرة، تكاد تملأ الفم والعقل والأفق معاً، تجلجل أين ذهب أدب الشعوب التي بنت حضارات زاهرة عرفتها الأزمنة الماضية في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا (الجنوبية والشمالية)، وقد كان أدبُها موجوداً وحاضراً وله مكانته لأن الدراسات التي تحقّب لتاريخ الآداب العالمية تذكره وتشير إليه، وكيف للآداب الإغريقية والرومانية أن تبقى وتترجم إلى مختلف لغات العالم، والآداب الآسيوية والإفريقية والأمريكية بضفتيها غير معروفة وغير حاضرة إلا على نحو قليل جداً لا يعبر عن أهمية هذه الآداب، ولا عن وجوه الحضارة التي عرفتها هذه الأنحاء من العالم.

أين هي آداب الهنود الحمر، أين هو إبداعهم، وأين هي عاداتهم وتقاليدهم، بل أين هو تاريخهم الذي يتحدث عن حضارتهم النايفة التي سمعنا عنها، وعادة حين توصف البلدان بأنها بلدان حضارية، فإن الأدب يكون في طليعة من يعبر عن هذه الروح الحضارية فيبدي علاماتها ورموزها وأعلامها وحقولها! وأين هي الآداب الإفريقية التي كانت تبحث، منذ بداية الخليقة، عن أجوبة وافية للأسئلة الكبرى، حول علاقة الإنسان بالسماء، وعلاقته بالموت والخلود، وعلاقته بالعمل والقيم وعلاقته بالعمران ولاسيما إن عرفنا بأن الطبيعة في أفريقيا هي طبيعة قاسية جداً، طبيعة ملأى بالغابات، والأنهار والبحيرات والوحوش المفترسة، ولا بد أن الآداب رافقت رحلة الحياة من أجل أنسنة الغابات والأنهار والبحيرات وتفادي أخطار الوحوش المفترسة، والحال هي كذلك في آسيا وأمريكا (الجنوبية والشمالية)، ولهذا كانت الآداب التعبير الأوفى عن حراك الإنسان وهو يواجه المخاطر العميمة، ومنها الجوائح المرضية، وجسارة قوى البر والبحر والسماء من وحوش وحيتان وطيور جارحة!

إذاً، أين هي تلك الآداب التي تتحدث عن عمران تلك البقاع من الأرض، وأين هي العادات والتقاليد والأعراف والتصورات التي جمعت تلك الشعوب لتصير مجتمعات ذات صبغة واحدة أو ذات طُرز اجتماعية واحدة؟ أسأل، لأن غياب تلك الآداب يكاد يكون موجعاً، عدا عن أنه لا يخلو من المظلومية والإقصاء لهذه الشعوب وتحييدها بعيداً عن التاريخ الإنساني، بحيث يبدو التاريخ العمراني لكوكب الأرض وكأنه بدأ مع الأنفاس الاستعمارية، وهذا محض هراء وادعاء ووهم، بل هو مظلومية جديدة تقترفها الثقافة الغربية!

أقول هذا، وأنا أسأل، من هم حولي، من يعرف الآداب الاسترالية قبل أن تحتل بريطانيا استراليا وتفعل فيها ما فعله الأوربيون في البلاد الأمريكية ضد الهنود الحمر؟! ومن يعرف عن الآداب في (نيوزلاند) البلاد التي غيّرها النهج الاستعماري البريطاني تغييراً عجيباً، حتى إنه سمّاها الأرض الجديدة، وكأنه هو من اكتشفها، أو لكأنها هي عُرفت من خلاله، وأين هي الآداب الإفريقية التي نشعر بأنها ملأى بالميثولوجيا، والحكايات، والغرائب والعجائب حتى يومنا الراهن هذا، ومن اقترف الإثم الكبير بحقها فزلّها، وحيّدها، ثم طواها فما عدنا نعرف إلا النزر القليل جداً عن الموسيقا والغناء والعادات والتقاليد والمعتقدات الإفريقية.

هذه الصرخة الجهيرة ليست بنت اليوم، وإنما هي صرخة ممتدة منذ أن عُرف ظلموت الاستعمار، وهي أشبه بالسؤال الذي يطلب الإجابة دائماً، وعلى أهل الترجمة أن يبادروا بالبحث عن كل ما حيّدت يد الاستعمار، وكل ما ألغاه العقل الاستعماري الذي فرض على هذه البلدان لغته، وأنماط سلوكه، وما قرَّ في عقله تجاه شعوبها من أنها شعوب متخلفة لا نصيب لها في التطور والمدنية والحضارة!                ترى إن كانت المراحل الزمنية السابقة شريكة للقوى الاستعمارية في ظلم هذه الشعوب وثقافتها، أما آن الأوان لعقلاء العالم أن يلتفتوا إلى هذه البلدان وشعوبها وثقافتها.. من أجل إنصافها، ومن أجل أن لا يظلّ العماء طريقاً تتبع!

Hasanhamid55@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *