دراساتصحيفة البعث

المعتقدات في العادات والتقاليد.. أين تتقاطع مع الأساطير وأين تفترق؟

علي اليوسف

تخضع العادات والتقاليد للتغيير عبر العصور، وإن إلقاء الضوء على المعتقدات في التقاليد والعادات وأسسها في الولادة والزواج والموت ما هو إلا قراءة للبنية الذهنية وتجلياتها، ولعلاقة المعتقد بالأسطورة والمعرفة، والملفت أن الطقوس والاحتفالات المرافقة لها تتميز بالتكرار في كل دورة حياتية، ومنها الأعياد منذ أديان ما قبل التوحيد، حيث يلحظ مجموعة من العادات المتكررة التي تتحوّل إلى تقليد دوري غير ضروري لمعرفة أصلها.

من أين تأتي المعتقدات؟

لكل مجتمع من المجتمعات، في أي زمان ومكان، معتقدات مقدسة منذ آلاف السنين وحتى الآن، وهي لن تنتهي لأن عماد أي مجتمع من المجتمعات في هويته الاعتقادية على أي مستوى كان، ومن المهم الإدراك بأن المجتمعات منذ آلاف السنين وحتى الآن لها نظرة واضحة ومحددة إلى وجود ما يسمى بالإيمان، والاعتقاد الراسخ بمسائل محددة لها علاقة بحياته، أي أن لكل مجتمع من المجتمعات معرفة وإيماناً بما يمكن أن يصل إليه الإنسان بعد انتهائه من هذه الدنيا، لهذا السبب يمكن التأكيد على أن المعتقد ملازم لوجود الإنسان.

لا شك أنها تبدأ أولاً باعتبارها معتقدات شعبية، لكن هذه المعتقدات الشعبية تنمو وتترقى من خلال أناس لديهم القدرة على المعرفة أكثر من غيرهم، وهي تصبح عقائدية حتى في المجتمعات الأكثر بدائية، لأن هذه المعتقدات هي التي تعطي لهم، إن كان على مستوى تنشئتهم أو تربيتهم أو على مستوى الموت، الأفكار الواضحة والمحددة لهم من أجل أن يعيشوا باطمئنان وباستقرار، بدليل أنه عندما تدفن مع الميت الأدوات والأواني التي كان يستعملها في هذه الدنيا، فهذا يعني أن هناك إيماناً راسخاً بحياة أخرى بعد هذه الحياة. اليوم حتى على مستوى الأديان التوحيدية هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة، وهناك ما يمكن أن يكون خيراً أو شراً بالنسبة للإنسان، ما يعني أن المعتقد شبه ثابت، وخصوصاً فيما يتعلق بالمعتقدات الدينية، ولكن يمكن لهذا المعتقد أن يكون غير ديني، ويمكن أن يكون معتقداً فلسفياً أو سياسياً، وهذا المعتقد الفلسفي أو السياسي هو معتقد يمكن أن يتغير، ولكن ما هو عصي على التغيير ومن النادر على الإنسان أن يغيره هو دينه، فهو ثابت لا يتغير، وما يحفظ ثباته هو تلك التقنيات التي يمكن أن نطلق عليها اسم “الطقوس أو التقاليد” في التعاطي مع هذا المعتقد من أجل أن يبقى مستمراً وينتقل من جيل إلى جيل.

ظاهرة الموت

في ظاهرة الموت هناك تقاليد لا يمكن تجاوزها مهما كان دين المتوفى وجنسه، ومهما كان موطنه وفي أي زمان كان، يجب أن يأخذ الميت معه كل الطقوس التي يمكن أن تساعده في أن يعيش حياة أخرى أفضل من حياته الأولى، سواء كان متديناً أو ملحداً، لأن الاعتقاد بالقوة الإلهية الخارقة بدأ على ما يبدو مع بدايات الإنسان، ربما لم تكن صورة الإله على هذه الشاكلة التوحيدية، ولكن كان هناك اعتقاد بقوة خارقة ميتافيزيقية.

منذ بداية الخلق كان الإنسان ينسب ما لا يستطيع تفسيره إلى قوى خارقة، مثل الشمس، والقمر، والعواصف، والرياح، وتغير الطقس، لأنه يعتقد أن هذه الظواهر هي قوى إلهية خارقة عليه أن يسترضيها بتقديم كل ما يلزم من أضاح حتى أضاح بشرية من أجل اتقاء شرها، ومن أجل أن تكون مناصرة له بدلاً من أن تكون عدوة، هذه المسألة لاتزال موجودة كما هي حتى الآن ولكن بتغير الظروف والأحوال، بمعنى من المعاني أن العقائدية هنا هي ناجمة تحديداً عن الخوف، هي معتقدات مرتبطة تماماً بالخوف، وهنا ينسب الدكتور يوسف الحوراني في كتابه “البنية الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم” الاعتقادات إلى الخوف والضعف، إلى الضعف البشري تحديداً.

أين تتقاطع المعتقدات مع الأساطير وأين تفترق؟ 

كانت الأساطير في بدايتها عبارة عن تفكير في كيفية نشوء العالم، في كيفية نشوء الكون، وفي كيفية حكم الكون من خلال آلهة في علاقاتهم مع البشر، هذه المسألة أكثر ما عبّر عنها هو “جلجامش” في ملحمة جلجامش وانكيدو، هذه الملحمة منذ خمسة آلاف سنة وحتى الآن تبيّن كيفية تفكير الإنسان بالخلود انطلاقاً من فكرة تقول بأنه شبع من هذه الدنيا وحصل على كل شيء ولم يعد ينقصه شيء حتى وصل إلى مرحلة التفكير في أن يكون إلهاً، هذه المسألة تبيّن أن الإنسان لا يشبع من هذه الدنيا، وإذا شبع منها يفكر في مسألة الخلود، بهذه الطريقة من التعاطي مع الأسطورة نصل إلى مرحلة مثلاً في اجتماع للآلهة، حيث يقول الإله “أنليل” إن الفساد ضرب في الأرض وما علينا إلا أن نمحي الجنس البشري.

لا يستطيع أحد من الآلهة أن يناقشه، إلا أن أحد الآلهة يطلب من الشخص الإنسان الذي هو خارق الذكاء أنه ماذا علينا أن نفعل من أجل ألا نصل إلى هذه المرحلة، يقول له ما علينا إلا أن نقنع الآلهة بأن البشر لو ذهبوا على من ستكونون آلهة- هذا المستوى من التفكير منذ خمسة آلاف سنة وحتى الآن ليس بالأمر السهل- فاقتنع الآلهة بأن عليهم أن يبقوا على الجنس البشري لأن ذهابهم يعني ذهاب الآلهة.

بكل بساطة عندما يصل جلجامش إلى مرحلة الحصول على الزهرة أو على النبتة التي تؤمن له الخلود، بكل بساطة عندما كان مرتاحاً على النبع، تقوم حية من داخل الماء وتأخذ النبتة وتغوص فيتأسف ويبكي، وعند ذلك اقتنع بأن عليه أن يفعل الأعمال الصالحة من أجل أن يخلد في أذهان الناس لأنه لا يستطيع أن يكون إلهاً، هذا على مستوى الأسطورة، أما على مستوى المعتقد فيجب أن يضم نواة أساسية للإنسان يؤمن بها، ويعتبرها الحقيقة المطلقة.

متى تحول المعتقد الديني إلى ناظم للحياة البشرية؟

حتى فترة زمنية محددة كانت المعتقدات الدينية من الأمور التي لا تناقش، مثلاً في العصر “السكولاستيكي” في أوروبا وصل الأمر إلى فصل الدين عن الدولة بعد الثورتين الفرنسية والانكليزية، وبدأت تحل أفكار وضعية ليس مكان الأفكار الدينية بل إلى جانبها، إذاً هناك نوع من الاختلاف في الاعتقادات بين ما هو ديني وما هو مدني، بين ما هو فلسفي وضعي وما هو ديني مستخرج من السيرة الدينية، فمنذ بداية الخليقة حتى القرن السادس عشر أو السابع عشر، حصل نوع من التوافق أو التوازن بين الفكر الديني والفكر الوضعي المدني، وانطلاقاً من المجتمع الذي يتطور أكثر مما يتطور به المجتمع الديني أو العقيدة الدينية، أصبح هناك نوع من الفصل، تطور الدين بطيء لأنه معتقد، أما الفلسفة أو الفكر الوضعي فإنتاج إنساني سريع التطور وسريع التغي، وبالتالي سيسبق الفكر الديني.

المعارف الشعبية والمعتقد

المعتقدات الشعبية، في كل الأحوال، لها علاقة ببساطة عقل الإنسان، على الإنسان أن يعتقد بما يتناسب مع قدرته العقلانية أو قدرته الذهنية كي يشعر بنوع من الراحة، بنوع من البساطة في حياته، فكان يتوسل كل الوسائل من أجل الوصول إلى قناعة ذاتية بصرف النظر عن صحتها أو عدم صحتها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون في فراغ، لابد من أن يملي تساؤلاته بأجوبة بصرف النظر عن صحتها كي يستطيع أن يكمل حياته بشكل مطمئن، فظهر هنا كل ما له علاقة بالمعتقدات السحرية التي تشمل كل المسائل إن كان لها علاقة بالسحر، بالحسد، أي المسائل المعتقدية التي هي خارج الإطار العقلي، ولكن ضمن الإطار الذهني الذي يعطي للإنسان الشعبي البسيط نوعاً من الطمأنينة في حياته.

هل من معتقدات حديثة ومعاصرة؟

أعطى ابن خلدون نوعاً من التفسير يبيّن كيفية تطور هذه المجتمعات، وكيفية انتقالها من الطور البدوي إلى الكمالي، حيث اعتبر أن عماد المجتمع العربي أو المجتمعات العربية هو مسألة القرابة والنسب، مسألة القبيلة، مسألة العائلة بالمعنى الضيق لهذه الكلمة.

وبالفعل لاتزال المجتمعات العربية حتى الآن تعيش هذه الحال من العصبية على مستوى القرابة، وقد أظهرت أكثر من دراسة أن مسألة القرابة تسبق في ذهن الإنسان العربي مسألة الدين، القرابة تأتي في الدرجة الأولى، ومن ثم يأتي الدين، يقول ابن خلدون: “إن الإنسان ابن عوائده في أي مكان وفي أي زمان”.

وهنا لابد من التأكيد على أن الدين جاء لكل الناس، لذلك فإن الدين ليس مسألة فلسفية بل مسألة شعبية جاء لكل الناس، وعلى كل الناس أن يكونوا مؤمنين أو أن يتدينوا بدين محدد، لا وجود لمجتمع من دون دين مهما كان هذا النوع، ولكن حتى ضمن التفكّر الديني هناك ما هو إيمان ديني شعبي، وهناك ما هو إيمان ديني أكثر من شعبي، وهناك ما هو إيمان ديني فلسفي، هذا الكلام قاله ابن رشد منذ 1100 عام وليس أمراً جديداً.

لقد تحدث ابن رشد عن مسألة تحدث عنها الغرب منذ مئة أو مئتي سنة، وهي المسألة النسبية بأن كل شخص ينظر إلى المسألة انطلاقاً مما يعرفه، بينما أوغست كونت قال إن هناك تقسيماً لثلاث مراحل، ماركس قال هناك تقسيم لخمس مراحل بناء على علاقات الإنتاج من المشاعية، وصولاً إلى الشيوعية، وهناك من يقول بأن المجتمع هو وليد ذاته ويتطور من خلال ذاته انطلاقاً من هوية معينة، ولابأس بأن يستفيد من ثقافات الآخرين ومن تفاعله معهم.

خاتمة 

من كل ما تقدم هناك جامع مشترك لهذه المعتقدات في المشرق، لذلك من الضرورة بمكان النظر فيما كتبه المفكر السوري الكبير يوسف باسيل شلحت- من مواﻟﻴد حلب ﻋﺎم 1917، عاش في فرنسا، وأول من قدم كتباً في مجال علم الاجتماع الديني- يترافق معه أنطون سعاده في الثلاثينيات من القرن العشرين في كتابه “نشوء الأمم”، وأظهرتا أهمية المعتقد وكيفية تأثيره على الفكر الإنساني، لهذا السبب المعتقد هو ما يمكن أن يظهر العلاقة بين الإنسان والخالق، هذا على الأقل على المستوى الديني، أما على المستوى السياسي أو العقائدي الفكري أو الفلسفي فنكون في مكان آخر.