الزواج المتأخر.. قرار شخصي أم واقع فرضته الظروف؟

الزواج سنّة الحياة، ورباط مقدس يسهم في تكوين مجتمع متزن يغيّر المستقبل نحو الأفضل، لكن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والنفسية والثقافية في بلدنا، أدت إلى إحداث تغييرات في نظامه من حيث جوانبه المختلفة، منها السن، فلا يمكننا تجاهل تأخر سن الزواج بالنسبة للشباب والفتيات أو حتى عزوفهم عنه. ويبقى السؤال هنا: ما المعوقات التي تؤخر سن الزواج؟ وهل أضحى الزواج عقبة في حياة السوريين؟.

في أروقة المحاكم
منظومة الزواج أشبه ما تكون ببناء يقوم على أبعاد مختلفة، وإذا تداعى بعدٌ منه تبعته باقي الأبعاد، فلا يمكن تجاهل الأسباب التي أدت إلى تأخر زواج الأفراد. هذا ما أكد عليه المحامي عز الدين الحميري الذي قال: إن هناك الكثير من الأسباب التي أدت لتأخر الشباب والفتيات بالزواج منها أسباب اقتصادية مثل ارتفاع سعر الذهب، وصعوبة تأمين مسكن وحتى أسعار المفروشات والأدوات الكهربائية، وكذلك ظروف المعيشة فيتردّد أغلب الشباب بالزواج فلا يمكنهم تحمل مسؤولية العائلة، كما أشار إلى حالة الحرب التي عاشتها البلاد، حيث قال: زادت نسبة هجرة الشباب يشكل واضح وهذا أدى إلى تأخر سن الزواج في سورية، وكذلك ارتفاع المهور يجعل من الصعب على الشاب تحمّل أعباء الزواج بعمر صغير نسبياً.

حدّث ولا حرج!

أصبح عمري 33 عاماً وحتى الآن لم أستطع تأمين منزل أقطنه أنا وخطيبتي، فراتبي الشهري لا يتناسب مع الغلاء الذي تشهده الأسواق، ولا أفكر بالزواج قبل تحسين حالتي المادية. هكذا لخص محمد عقبات قصته. أما منى 30 عاماً فتقول: لا أريد أن أتزوج بظروف سيئة لأحكم على أطفالي بحياة صعبة، فأغلب الشباب الآن يلجؤون للسكن بشقق إيجار وبظروف معيشية صعبة.
وكان لرغد رأيها أيضاً حيث قالت لنا: ألاحظ من تجارب إخوتي وأقاربي كم من الصعب تحمّل مسؤولية عائلة وأطفال من طعام وشراب ولباس ودواء، ناهيك عن أية كماليات تحتاجها الأسرة وحتى يستطيع الشاب تأمين نفسه يتخطى عمر الثلاثين أحياناً.
أما محمود الذي مازال يبحث عن فرصة عمل فقد ركز على الأوضاع التي عاشتها البلاد حيث قال: الحرب أثرت كثيراً على جيل الشباب عموماً، فلا يمكن للشاب الارتباط إلا بعد انتهائه من الخدمة الإلزامية في الجيش ثم إيجاد عمل وبعد ذلك التفكير بشراء منزل وكذلك المهر المرتفع، حيث أغلب العائلات السورية ترغب بتأمين بناتها بظروف مادية جيدة وهذا حق طبيعي لأي فتاة.

مفتاح الاستقرار النفسي

أصبح تأخر الزواج في أيامنا مشكلة ذات تأثيرات مختلفة اجتماعية ونفسية وشخصية لدى الفتيات والشبان، ولا بد من دراسة أبعاد هذه المشكلة، حيث أوضحت المعالجة النفسية رفيف سعده أهمية الزواج لدى الجنسين فقالت: يعتبر الزواج سكينة للأفراد، ولا شك أن النفس البشرية تميل لهذا الاستقرار النفسي، لكن هناك الكثير من العراقيل التي جعلت الزواج صعباً، مؤكدة أن الأحوال الاقتصادية الصعبة أثرت على قرار الزواج لدى الشباب، وأضافت: أصبح الزواج بعيد المنال عن الشاب العشريني، فإن وجد عملاً لن يكفيه دخله الشهري لنفسه، فكيف سيؤسس لبيت ويدفع نفقة زوجة وأولاد؟.

ورأت سعده أن تأثير تأخر سن الزواج على الفتاة أكبر بقولها: المجتمع لا يرحم الفتاة، وإذا تخطّت سناً معيناً يراها (عانس)، مما يؤدي لفقدان ثقتها بنفسها، وقبول الزواج بأول من يدق بابها حتى ولو كان رجلاً ستينياً. وأكدت ضرورة التأكيد على منظومة الزواج وتجنّب العلاقات غير الشرعية الخالية من الالتزامات والضوابط بالقول: لا يوجد مبرر للممارسات غير الشرعية والفساد الأخلاقي في العلاقات الاجتماعية، إذ يبقى الزواج مشروعاً أبدياً لا غنى عنه.

نقطة البداية

لاشك أن الزواج من النظم الاجتماعية النابعة من ثقافة المجتمعات، وتأخر سن الزواج ما هو إلا تعديل فرضته التغيرات التي عرفها المجتمع السوري، وليكون تأخر سن الزواج نقطة البداية لسلسلة من المشكلات الاجتماعية المتلاحقة.

يارا شاهين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *