الطلاق.. قرار غير مدروس للأبوين.. وقضايا كيدية في مركز الإراءة؟!

يقفون أمام باب القاضي في المحكمة، الرجل يتأبط ذراع ابنه، والأم تحتضن طفلاً صغيراً على صدرها، يقفون وكل ينظر للآخر منتظرين قرار القاضي للبت بدعوى الطلاق: “رح آخد الصبي وانت خدي البنت”، يقول الزوج جملته ويدخل إلى القاعة، فيدفعنا الفضول لسؤال الزوجة عن سبب الانفصال لترد: “ماعاد فيني اتحملو بخيل عليي وكريم على أهلو بس ما رح اتركلوا ولادي”، حالة مشابهة للكثير من القضايا التي شهدناها في المحكمة، وقصص تعتقد للوهلة الأولى أنها واحدة، ومن المؤكد أن هناك جملة من الأسباب توصل الطرفين للانفصال النهائي، حيث يكون الطفل الخاسر الأكبر في المؤسسة الزوجية، فما هي عواقب الطلاق ونتائجه؟.
حلال ولكن
أبغض الحلال إلى الله الطلاق، جملة نسمعها، ولكن قلة قليلة من يشرحونها بطريقة صحيحة عند حدوث الانفصال، فعندما تطلب الفتاة الطلاق يبدأ تخويفها من المجتمع، ومن مصير أبنائها، دون إيضاح معناه الأصلي والحقيقي بأنه حلال، فهو حلال جداً عندما يقع الظلم ولا يغدو الشريكان قادرين على إكمال مسيرة حياتهما معاً، وأغلب من التقتهم “البعث” في المحكمة الشرعية، كانت الأسباب التي أوصلتهم للطلاق: عدم التفاهم، وتدخل الأهل، وصعوبة الحياة وتحمّل مشاقها، ومتاعب الأطفال، وأسباب أخرى مردها الخيانة الزوجية التي تبدأ عند مواقع التواصل الاجتماعي، وتنتهي باللقاءات الغرامية، وللوقوف على أسباب ومسببات الطلاق التقينا القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود معراوي الذي شرح الأسباب العديدة للطلاق كسوء اختيار كل من الزوجين للآخر، لأن معظمهم بحسب القاضي قد يكون التقى بالآخر بمحض الصدفة، فحصل مثلما يقال الحب من أول نظرة، وبهذه الحالة كل واحد سيظهر أجمل ما عنده، وبعد الزواج، عندما يكون الاختيار بهذا الشكل، سيتفاجؤون بحقيقة بعضهم من اختلاف في العادات والمفاهيم والثقافات، ولأنه زواج غير مبني على التأني فالطلاق يحصل خلال الفترة الأولى من الزواج، ومن أسباب الانفصال كما أوردها معراوي تدخل الأهل السلبي وليس الإيجابي، على عكس ما كان يحصل سابقاً، كذلك التدخل بحياة الطرفين وبأدق التفاصيل، وهناك زواج يندرج تحت بند المصلحة وينتهي بانتهائها، وبيّن معراوي الدور السلبي الذي تظهره بعض وسائل الإعلام وترويجها لفكرة حرية الفتاة وتلقينها لها بطريقة خاطئة، هذه الأفكار سيطرت على الفتيات وأدت لزواجهن دون رضى الأهل بحجة أنها حرة وهم غير أوصياء عليها، يقول معراوي: للأسف يعتقد الأبناء أن دور الأهل وصائي وفرض أوامر، وينسون أن همهم الأول والأخير هو مصلحة أبنائهم، ودورهم تكليف وليس تشريفاً، وعندما يرفض الأولياء: (أب، أخ، عم) تزويج ابنته دون سبب تسقط ولايته، ويغدو القاضي هو الولي ويزوجها بعد إثبات كفاءة الزوج وتحديد المهر، لأن القاضي ولي من لا ولي له.

تأثير كورونا
وكانت لفيروس كوفيد 19 والحرب التي طال أمدها تداعيات على شريكي الحياة أظهرت أسباباً جديدة أدت للطلاق، وعزاها معراوي لاختلاف الرأي بين الزوجين حول الهجرة، وموضوع الفقدان، فإذا فُقد الزوج، وهم كثر، وطال انتظاره من قبل الزوجة، تتقدم بطلب الطلاق، وعند السؤال عن عدد المفقودين، أشار القاضي إلى أنهم لا يملكون رقماً دقيقاً، وبيّن أن نسبة الطلاق قبل الحرب كانت لا تتجاوز 18%، ووصلت خلال الأزمة لـ 31.5%، أما كورونا والحظر الذي فرض فأديا لجلوس الرجل في البيت طوال الوقت، واحتكاكه بكل التفاصيل، فبات يتدخل بشؤون المنزل، وهذا ما ترفضه المرأه باعتبارها سيدة البيت، إضافة لسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أحد الطرفين، وما ينتج عنها من خيانة زوجية تبدأ بصداقات غير مقبولة، وتنتهي بالخيانة الزوجية، سواء من الرجل، أو من المرأة، وهي أحد الأسباب التي ظهرت بوضوح وتركت بصمتها خلال الأزمة، منوّهاً إلى صعوبة إعطاء رقم دقيق لحالات الطلاق التي حصلت نتيجة كورونا، ولكن قد تتحدد النسبة بدقة خلال هذا العام، وعما أثير مؤخراً عن حالات تزويج وتفريق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تمنى معراوي على النساء عند حصول طلاق عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي، استقدام شاهدين من الأهل أو الأقارب والمعارف للاتصال مع الزوج، والتأكد من الطلاق وذلك لإقراره وتثبيته تفادياً للأخطاء، وأضاف معراوي: هناك صعوبة بتقدير من المظلوم في الطلاق الزوج أم الزوجة، خاصة إذا كانت هناك مخالعة، أما في حالة دعاوى التفريق فالأسباب تكون معروفة، إلا أن أغلب دعاوى التفريق ترفعها النساء بنسبة 70%، ولوحظ في الفترة الأخيرة أن الإساءة مشتركة، وتبقى المرأة تتحمّل أكثر، وهذه نتيجة استقرائية وليست إحصائية، وفيما يتعلق بتعديل النفقة، أوضح القاضي معراوي أن تعديلها تعلّق بأمرين، فبعد أن كانت الزوجة تطلب النفقة قبل الادعاء بأربعة أشهر، جاء التعديل لإنصافها ومنحها حق المطالبة بالنفقة بسنتين قبل الادعاء إذا أثبتت أن الزوج لا يقوم بواجباته من ناحية المصروف، والتعديل الثاني بالنسبة للأطفال، فبعد أن كان لأربعة أشهر أيضاً قبل الادعاء أصبح لسنة، إضافة للنفقة المستمرة طالما الأطفال في حضانة المرأة، أما مقدار النفقة فلم يطرأ عليه أي تعديل، يقول معراوي: هناك جهل من الناس بنص القانون، لذلك يتهجمون على القضاء، والنص يقول: تقدر النفقة على حسب حال المكلف بها سواء نفقة زوجية أو نفقة الولد، ولا يوجد نص أعدل من هذا، ولكن في حال كان الزوج ميسوراً، وكان وضعه ممتازاً، وأثبتت الزوجة ذلك، فالمحكمة حكماً ستنصف لصالح المرأة بمبلغ مرتفع يتناسب طرداً مع دخل الرجل.

الطفل ضحية
الضحية الأولى والأخيرة أثناء الانفصال هو الطفل، واعتبرها معراوي من أكبر المشاكل الخطيرة الناتجة عن الطلاق، إذ يقع الأولاد ضحية للأبوين، ويستخدمانهم كسلاح للانتقام من بعضهما البعض، وهذا ما أثبتته القضايا المرفوعة في مركز الإراءة التي وصلت في عام 2016 إلى 1200 قضية، منها ألف قضية كيدية، وهذا أخطر ما في الموضوع لما يتم من افتراءات على أحد الوالدين، وتشويه سمعة بعضهما البعض أمام الطفل، إلى جانب المشاحنات التي تحصل في المركز، وتدخل الشرطة أمام أعين الأبناء، علاوة على ذلك ترك الأولاد وتسييبهم ورفض احتضانهم من قبل الوالدين مشكلة كبيرة تتفاقم يومياً، ونحتاج لسنوات من التعليم لإعادة تأهيل هذا الطفل بالشكل الصحيح، وأثناء تواجدنا في مكتب القاضي الشرعي الأول الذي استمر لساعتين، شهدنا عدد المراجعين الكثر، ولاحظنا ما يمتلكه ذلك الرجل من صبر وحلم، إذ يجلس على كرسيه ويستمع لجميع المراجعين، رغم أنهم قد يكونون مخطئين في المكتب أو في وجهتهم الصحيحة، وعند سؤالنا معراوي عن عددهم قال: عدد المراجعين في المحكمة الشرعية كبير جداً ويبلغ يومياً بشكل وسطي 1000 مراجع، وفي حالات الذروة أكثر من ذلك، وقسم كبير منهم لا يعرف المطلوب منه وأنا أوجهه، وهناك يومياً 4 أو 5 قضاة إضافة لي للأعمال الإدارية فقط، ويبلغ عدد قضاة المحاكم 18 قاضياً، 9 منهم على الأقواس، والباقي يقسم قسمين: قسم مؤازر، وقسم يعمل بالأمور المستعجلة للدعاوى، وهناك دور للمناوبة، ورغم ذلك هناك ضغط كبير على المحكمة الشرعية، ومرد ذلك إلى اختصاص المحكمة الشرعية، وخاصة العمل الإداري فهو واسع ومتنوع جداً بشكل كبير .

من ناحية اجتماعية
يقول المرشد والخبير الاجتماعي بسام ديوب: إن الطلاق يسبب الخوف لدى شريحة كبيرة من الناس لما تمثّله مؤسسة الزواج من قدسية في ثقافتنا الاجتماعية، ويعتبر أبغض الحلال إلى الله، كما يرى الفقهاء والمشرعون، وبداية لابد من الإقرار بأن أي بحث في الطلاق يعني في أحد جوانبه مسألة اختيار الشريك، وهل تتوافر ظروف مناسبة لنجاح هذا الخيار مستقبلاً من حيث التوافق العمري والتعليمي، وإلى حد ما الاقتصادي؟ علينا ألا ننسى أيضاً أثر الحرب على الشباب، والظروف النفسية والاقتصادية التي أرهقت الجميع، وللأسف ليس لدينا استبيان حول واقع الأسرة السورية في السنوات الأخيرة، لكنني أعتقد أن هناك ارتفاعاً في نسب الطلاق .
ويرى ديوب أنه من الصعب بمكان حصر أسباب الانفصال بدقة، فمنها ما يتعلق بالناحية الاجتماعية كاختلاف البيئة الأسرية، والمستوى العمري والتعليمي للشريكين، أو الناحية الاقتصادية كغياب مسكن لائق، أو الدخل الثابت الذي يمكّن الأسرة من تلبية حاجاتها، وهناك أسباب نفسية كالغيرة أو خيانة أحد الزوجين، بالإضافة لأسباب أخرى كوجود مشاكل تتعلق بالإنجاب، وخاصة الذكور، أما آثاره، كما يراها الخبير الاجتماعي على الأسرة، فهي بالإضافة لشعور الزوجين بالفشل والخيبة، تترك أثراً في مواقف كل طرف من الجنس الآخر، ومن مؤسسة الزواج نفسها، والأهم هو غياب الزوجين من حياة الأطفال، ففي أغلب الأحيان يعيش الأولاد صراعاً نفسياً نتيجة المشاحنات بين الطرفين، فعدم وجود الأب والأم معاً في المسكن الزوجي يجعل الأطفال يشعرون أمام أقرانهم بالنقص، وفقدان الحنان والأمان، ورغم تأكيد القاضي الشرعي الأول محمود معراوي تفوق النص السوري على غيره، خاصة فيما يتعلق بالنفقة، رأى الخبير الاجتماعي أنه رغم الإنجازات التي حصلت عليها الأسرة منذ أول تشريع عرفته البلاد في بدايات القرن الماضي، فإنه مازال متأخراً عن ضمان الحقوق بشكل لائق، وخاصة في مجال قانون الأحوال الشخصية، وتحديداً الوصاية على الأطفال ونفقاتهم.

نجوى عيدة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *