ثقافةصحيفة البعث

طفولة على الرصيف

أقسى الملامح التي لا يستطيع الإنسان الوقوف حيالها إلا بقلب كسير وروح معطوبة، هي ملامح الأسى والخيبة، الحزن والألم، الصبر على النوائب، والمزيد من الصبر والخيبة والخذلان، المرتسمة على وجوه الأبناء منذ سنوات، حتى إنهم اعتادوا قسوة الحياة التي تهد مناكب أهليهم، وهم في شبه عجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة لهم، وعلى مختلف الصعد، ما اضطر الكثير منهم لمغادرة طفولتهم سريعاً بغية الالتحاق بأي عمل للمساعدة في سد فجوات الحياة اللئيمة التي صارت تعصف بحياة معظم السوريين، لتصبح المرحلة الذهبية لتكوينهم النفسي والحسي والجمالي، بما يتلاءم والقيم الإنسانية العظمى الثلاث: الحق، الخير، الجمال، قبض الريح، وهم ينظرون إلى الحياة كيف صارت تمر قربهم ولا تمر بهم، فلا مطارح اللعب مأهولة بضحكاتهم وصراخهم الندي، حتى مقاعد الدراسة خلت من الكثير منهم بعد أن شردت الحرب وويلاتها نقي أحلامهم، غد مجهول الهوية بالنسبة لغضاضتهم السليبة، حالة لا تسمية أو وصف لها، رضخوا إلى مناخاتها القاسية بما لا حمل لهم فيه، منهم من سرقت سكين العمر أليف سنيهم، تلك التي ضاعت على الأرصفة التي صارت بيوتهم، ومنهم من صارت حتى أفلام الكرتون على التلفاز من بقية ما يتمنونه في هذا الزمن الصعب جداً.

في اليوم الذي أرخت فيه العاصفة الباردة ظلالها القاتمة على البلاد، تخترق عظام حتى من يجلسون في بيوتهم، كانت تقف بأسمالها التي لا جنس لها، وتحت نظراتها التائهة تفرقت بعض الأكياس الصغيرة التي تبيعها على الرصيف، الطفولة والغضاضة التي كان من المفترض أنها تحياها حسب سني عمرها الـ 13، تكسرت مراياها دفعة واحدة ومرة واحدة، حتى الشكوى التي تغلب على طبيعة من كان في عمرها جفت من صوتها، وليس أمامها إلا أن تتمنى نفاذ تجارتها البسيطة بسرعة، لتعود إلى كتبها ودفاترها قبل أن تغفو وكأنها خارجة من حكايات غابرة.

ليست بائعة الكبريت الشهيرة، وربما لن تمر في بال الأيام وخاطرها، تلك الطفولة الكسيرة في نظراتها، حتى إنها لن تجيب عن سؤالها عن عمرها، بينما جدائلها الطفولية يقصف على أطرافها المطر، والصقيع يلفها، تجيء بعد نهاية يومها الدراسي، وعوض أن تحظى بقسط من الراحة وهي تشاهد أفلام الكرتون في حال كانت الكهرباء متوفرة، قبل أن تجلس إلى كتبها ودفاترها، تهبط ببضاعتها إلى أحد الأرصفة المقابلة لفرن الخبز، هناك من يشتري منها لحاجته لبضاعتها، وهناك من يشتري ليساعدها في العودة باكراً إلى بيتها ودروسها، تلم بسطتها الفقيرة جداً، تحملها وتمضي بها راضية، قانعة بما وضعتها الأيام بين متلاطم أمواجه باكراً، ولن يجدي سؤالها عن أي شيء خارج ماهي فيه من عمل، يبدو أنها أجابت مراراً حتى فقدت الأمل، أما التقاط صورة لها فيكفي أن تحدق عدسة الكاميرا قليلاً في تلك الملامح حتى يتهشم زجاجها، وتعجز عن الاحتفاظ بصورة لتلك الملامح الحادة التي غزت محياها وحياتها برمتها.

هذا الحال والأسوأ منه هو ما يختبره معظم الأطفال الذين كبروا على مفارق الحرب بعد أن سرقت منهم حتى الأحلام، مبدلة إياها بكوابيس متتالية، وإن حالف بعضهم الحظ في أن تراهم “كاميرا” ما تنقل معاناتهم، فإن الكثير منهم يعاني بصمت وصبر واحتساب، غرباء عن طفولة يجب أن يكون الفرح من مفرداتها، لكنهم غادروه باكراً، وإن حدث ومر بقربهم فلن يتعرفوا عليه، حتى لو حاول مشاكستهم.

تمّام علي بركات