الترامبية.. موروث خطير وأيديولوجية لليمين المتطرف عالمياً

عناية ناصر

كتبت سوزان غلاسر في نيويوركر: “إن انتهاك ترامب المستمر  للمؤسّسات الأساسية لحكومتنا ونظامنا الانتخابي قد أدى الآن إلى النتيجة الحتمية، وهي أننا أصبحنا قوة عظمى ممزقة من الداخل”.

منذ حملته الانتخابية في عام 2016، أنشأ ترامب طرقاً للتعامل مع المعارضين السياسيين (السخرية والتشهير)، واتجاه وسائل الإعلام الصحفية (التي يتمّ التعامل معها على أنها خصوم سياسيون متحيّزون) والتي تتعارض مع معايير الاحترام بين الخصوم وحرية التعبير.

استشهد العديد من المحلّلين السياسيين بتشويهه للواقع (مثل الحديث عن “النجاح” في مكافحة الوباء في اليوم الذي وصلت فيه الإصابات في الولايات المتحدة إلى 11 مليوناً و251000 حالة وفاة) ووصفه تلك الأرقام على أنها نوادر أو شذوذ، والنتيجة هي أن أساس مفهوم الأخبار المزيفة و”الحقائق البديلة” أصبح شبه طبيعي. لكن في غضون ذلك، كان ترامب وفريقه من المتعاونين والأيديولوجيين (بما في ذلك المدّعي العام الاستبدادي ويليام بار، ومستشار الهجرة المتطرف ستيفن ميللر، ومروّج التحالف الدولي اليميني المتطرف ستيف بانون) يسيطرون على الدولة من الداخل، ويحاولون تدمير مؤسساتها والعبث بالنظام الفيدرالي.

إطار مرجعي للاستبداد

على مدار أربع سنوات، قيل إن ترامب براغماتي أناني وليس لديه أيديولوجية ثابتة، فوفقاً لمعلق نيويورك تايمز ديفيد بروكس، على سبيل المثال، لم يقسم ترامب العالم إلى يمين ويسار بل إلى رابحين وخاسرين. إن ماضيه قد ساعد في توليد سوء الفهم، مما أدى إلى توقعات برئاسة بلا هدف. لكن هذا كان خطأ واسع النطاق في التحليل، انطلاقاً من ركيزتين قويتين في الثقافة الشعبية الأمريكية، الفردانية العصامية والتلفزيون، حيث وجد ترامب مكانه حين تصرف بثبات كسياسي استبدادي يميني متطرف في سياق الأزمة متعدّدة الأبعاد التي تجتاح أمريكا. وكتب البروفيسور كريستوفر براونينغ أن ترامب أنشأ “تحالفاً من الساخطين” مثل أدولف هتلر.

كانت هناك أربع سنوات من السجال الأكاديمي حول ما إذا كان ترامب زعيماً فاشياً، حيث يتفق الخبراء على أن حياته المهنية لا تحتوي على كل الخصائص، لكنها تحوّلت إلى اتباع سياسات خطيرة شديدة الاستبدادية وغير ديمقراطية وتشجّع على العنف.

بغضّ النظر عما إذا كان ترامب فاشياً أو مغروراً عابراً، فقد جمعت رئاسته بين البراغماتية والأيديولوجيا. وفي هذا الشأن كتب بينيتو موسوليني في عام 1933 أن الفاشية “لم تكن من بنات عقيدة تمّ تطويرها مسبقاً بطريقة مفصلة للغاية، لقد نتجت من الحاجة إلى العمل، ومنذ البداية كانت بحدّ ذاتها شيئاً عملياً أكثر منه نظرياً”. يقترح الفيلسوف إنزو ترافيرسو أنه “في أيامنا هذه، لم تعد السياسة تنبع من الأيديولوجيا، بدلاً من ذلك، فإن هذه الأخيرة مرتجلة، لإضفاء الشرعية على سياسة ما”. لم يطوّر ترامب أيديولوجية، لكن من خلال سياساته، أوجد نموذجاً وإطاراً أيديولوجياً يمينياً متطرفاً يمثّل، في الوقت نفسه، جزءاً من اتجاه استبدادي عالمي في تشويه سمعة الديمقراطية.

خلق القاعدة الاجتماعية

نظراً لعدم مصداقية السياسيين بشكل عام واستغلال حقيقة أن 17٪ فقط من مواطني الولايات المتحدة يثقون بحكومتهم، قدّم ترامب نفسه على أنه مناهض للسياسة. بالنسبة للعمال الريفيين والصناعيين الذين فقدوا وظائفهم بسبب تدويل الإنتاج والروبوتات التي تمّ تنفيذها منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد ظهر كمنقذ يمكن لمهاراته في تنظيم المشاريع واستعداده لمحاربة قواعد الدولة استعادة وظائفهم لهم.

من ناحية أخرى، اكتسب مكانة كقائد فعّال في الحزب الجمهوري الذي تخلّى على مدى عقود عن المحافظة الليبرالية من أجل القيام بثورة اقتصادية وسياسية وثقافية لليمين المتطرف. الآن يبدو أن معظم أعضاء الكونغرس الجمهوريين ممزقون بين الاعتراف بخسارة ترامب في الانتخابات وإرضاء 72 مليون ناخب يعتقدون أنه فاز، لكن ربما تكون هذه معضلة مؤقتة، وما يحدث هو أن الحزب الجمهوري أصبح جزءاً من حركة اجتماعية يمينية متطرفة في طور التكوين.

بالنسبة لقطاعات الأعمال والقطاعات المالية التي تروّج لدولة أقل سيطرة ، وعد ترامب بتخفيض الضرائب وإلغاء القيود على التدابير البيئية، مثل تلك التي تمنع استغلال المناطق الطبيعية المحمية، وتعهّد للمستفيدين الكبار من الرعاية الصحية الخاصة أنه سينهي إصلاح الرعاية الصحية للرئيس باراك أوباما.

في كتاب “الخطر الخامس”، يوضح مايكل لويس أنه خلال إدارة ترامب، تمّ ببساطة القضاء على ملايين البيانات التي كانت لدى الدولة بشأن تغيّر المناخ أو إساءة معاملة الحيوانات أو جرائم العنف. المستفيدون هم شركات الفحم وكبار منتجي اللحوم وتجار الأسلحة. في الوقت نفسه، تآكلت مؤسسات الدولة وأُفرغت جزئياً من المحتوى، في حين تمّ تغيير عشرات القوانين والإجراءات التقدمية في مجالات متنوعة مثل البيئة والتعليم واندماج الأعراق المختلفة.

منذ سبعينيات القرن الماضي، كان اليمين المتطرف والأيديولوجيون يروّجون للحاجة إلى رئاسة قوية لمواجهة الأجندة التقدمية في مجالات مثل العرق والحريات المدنية. بالنسبة للداعين لنظام رئاسي استبدادي شبه ملكي للولايات المتحدة مع سلطة تشريعية ضعيفة، مثّل ترامب، بشعبيته التي اكتسبها أملاً بدعم هذا الاتجاه.

من البيت الأبيض، عجّل  بتدمير احتكار استخدام القوة من قبل الدولة الديمقراطية من خلال تشجيع أفعال الجماعات اليمينية المتطرفة، الموالية للنازية، والميليشيات والجماعات شبه العسكرية، بينما رفض إجراء إصلاحات عاجلة للحدّ من إجراءات الشرطة الوحشية ضد المواطنين الأمريكيين من أصل أفريقي. وطمأن الجمعية الوطنية للبنادق بأنه سيعرقل أي إجراء يتخذه الكونغرس ضد حيازة المدنيين لأسلحة الحرب. وإذا دعت الحاجة إلى الفوضى، فهذه الميليشيات هي طليعة مسلحة سيتمّ نشرها في أية لحظة.

حرب مقدسة!

قدّم ترامب تطمينات للإنجيليين القوميين اليمينيين بأنه سيتبنى أجندتهم على الرغم من أنهم يقدمون أنفسهم على أنهم حركة دينية، إلا أنهم يدعمون تعزيز نظام رئاسي قوي ويمثلون ثورة شديدة المحافظة ضد الاعتراف القانوني بالزواج المثلي، أو تنوع الهويات، أو الحق في الإجهاض، وضد المحكمة العليا التي لها اختصاص في النزاعات المتعلقة بحقوق العمل. وبالمثل، فإنهم يعارضون مساواة المرأة ويطالبون بالسيطرة الذكورية في المجالين الخاص والعام.

يعتقد العديد من القساوسة الإنجيليين أن ترامب أصبح رئيساً بفضل “عون الله”. وهنا توضح الباحثة كاثرين ستيوارت أن القادة الإنجيليين “أعلنوا حرباً مقدسة جديدة ضد الديمقراطية المتنوعة عرقياً ودينياً” في كلّ من الولايات المتحدة والعالم. كما عيّن ترامب أيضاً قاضيين محافظين للغاية في المحكمة العليا القوية وأكثر من مائة قاضٍ محافظ في ولايات مختلفة أيضاً، لعرقلة الإجراءات الأكثر تقدمية التي قد ترغب إدارة جو بايدن في تبنيها.

لقد استغل ترامب ومنظروه الانقسام الاجتماعي الموجود في المجتمع الأمريكي، أولاً حول المسألة العرقية من ناحيتين: من ناحية، عدم اعتراف الكثير من السكان البيض بأن الأمريكيين الأفارقة جزء أساسي من تاريخ الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، الثقل الديموغرافي المتزايد للمواطنين من أصل أمريكي لاتيني.

كانت إدارة ترامب عنصرية بشكل علني في الردّ على تحركات الأمريكيين الأفارقة (والبيض الذين يدعمونهم) وعارضت بشدة الهجرة، مع تدابير مثل فصل الآباء المهاجرين عن أطفالهم، وطرد أحفاد المهاجرين المولودين في الولايات المتحدة، وحظر دخول المواطنين المسلمين.

إرث ترامب

وهكذا، يترك ترامب العديد من الموروثات الخطيرة للديمقراطية وراءه في الولايات المتحدة وبقية العالم:

أولاً: أظهر أنه من الممكن الوصول إلى السلطة بوسائل انتخابية ديمقراطية ثم تقويض الدولة من الداخل، كما يفعل حكام آخرون في أوروبا الشرقية وتركيا والبرازيل والفلبين. في الوقت نفسه، أثبت أنه من أجل البقاء في السلطة، يمكن نزع الشرعية عن الانتخابات من خلال الأكاذيب والأخبار الكاذبة واستخدام الشبكات الاجتماعية الموالية، مع إلقاء اللوم على الصحافة السائدة في التحيّز، وحشد القوات شبه العسكرية في الشوارع.

ثانياً: روّج للفكرة القائلة بأنه من أجل تحقيق النجاح اقتصادياً (باتباع النموذج الذي مثله)، يجب إلغاء جميع أنظمة الدولة، وتجاهل الأنظمة الموجودة، والقيام في الواقع بإلغاء تجريم الفساد.

ثالثاً: لقد عملت الترامبية على تطبيع العنصرية والتمييز على أساس الجنس وازدراء اليسار والمدافعين عن البيئة وجميع أولئك الذين يمثلون الأجندة الليبرالية للتنوع وحقوق الإنسان التي نشأت منذ الستينيات. لقد أكدت الترامبية علناً رفض المهاجرين وطالبي اللجوء الذي كان الناس يمتنعون في السابق عن التعبير عنه، وتحدث ترامب وشوّه سمعة هؤلاء المطالبين علانية. وكما كتب جورج باكر، “ليس لأنه لم يستطع السيطرة على دوافعه، ولكن عن قصد، وحتى بشكل منهجي، من أجل هدم المعايير التي كانت ستقيد سلطته لولا ذلك. بالنسبة لأنصاره، أصبحت فجاجته وسام الصدق والقوة”.

رابعاً: أعاد التأكيد على شرعية الجماعات الموالية للنازية والميليشيات المتطرفة والجماعات المتآمرة المسلحة والمنظمة ضد الدولة. أدى تمسكه بنظريات المؤامرة إلى تأجيج هذه الجماعات في حماستها لحمل السلاح لفرض فكرتها عن أمريكا.

خامساً: منذ تفشي جائحة كوفيد -19، دأب ترامب على تشويه سمعة العلم، وروّج بدلاً من ذلك لتفسيرات المؤامرة والخرافية بشكل خطير.

سادساً: تحاول الترامبية تسخير فكرة الأمة لأغراض طائفية ومناهضة للديمقراطية وحصرية.

سابعاً: روّج ترامب لمفهوم سياسي وقومي للدين من خلال تحالفه مع الإنجيليين، وبهذه الطريقة نجح في التراجع عن الفصل بين الدولة والدين عبر قرون.

ثامناً: أشار إلى أنه في السياسة الخارجية يجب على كل دولة أن تدافع عن مصالحها بأساليب أنانية، والابتعاد عن أي سياسة تعاونية، واحتقار النظام التعدّدي وإضعافه، بدءاً باتفاقيات وقرارات الأمم المتحدة.

استلهم الحكام الاستبداديون، فضلاً عن طموحهم في الحكم وتعبئة قطاعات من مجتمعاتهم، الإلهام من الرئيس الحالي للولايات المتحدة، الذي سيستمر في المستقبل في استخدام نفوذه (وثقل الملايين من الأشخاص الذين صوّتوا لمصلحته).

قد لا يخوض ترامب انتخابات عام 2024، لكن بعض الشخصيات السياسية تلوح في الأفق بالفعل كمرشحين محتملين، ولاسيما سيناتور أركنساس توم كوتون، الذي يتخذ مواقف متشدّدة للغاية بشأن الهجرة، واتجاه احتجاجات حركة “حياة السود مهمة”، والصين، ويؤيد الحفاظ على استمرار سجن قاعدة غوانتانامو.

تشملُ الأسماء الأخرى عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ميسوري جوش هاولي، ونائب الرئيس مايك بنس (الذي يتمتّع بدعم جاد في قطاع الأعمال)، وسفيرة الأمم المتحدة السابقة نيكي هايلي. ووفقاً للتكهنات، قد تطمح إيفانكا ابنة ترامب أو ابنه دونالد ترامب الابن أيضاً لهذا الدور.

أياً كان وريثه السياسي، إذا كان سيتمّ الحفاظ على الديمقراطية وتحسينها، وإذا كان سيتمّ الدفاع عن الأجندة التقدمية في الولايات المتحدة وفي أي مكان آخر، فسيكون من الضروري التفكير والعمل السياسي في جميع المجالات التي ترك فيها ترامب إرثه، لأن العالم لم يعد كما هو بعد أن كان دونالد ترامب رئيساً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *