“الحضور”.. كتاب تم تأليفه لأجلك

يعدّ كتاب (الحضور.. رحلة عملية في إدراك اللحظة الحالية) لكاتبه مايكل براون هبة وضرورة لأي فرد يريد الحضور بصدق، ويقدّم لنا طريقاً واضحاً محدّداً يقودنا لحياة سعيدة أصلية ومواطن جديدة من الشفاء والحرية والتفاصيل الجوهرية للكبت الماضي، وحلول نهائية للعديد من الأنماط الشعورية والسلوكية القديمة.

تبدأ صفحات الكتاب رحلتها في جذب القارئ منذ كلماتها الأولى التي تقول: “تمّ تأليف هذا الكتاب من أجلك”، وتعتمد على أفكار متماسكة وسهلة دون استخدام التعليمات المباشرة، فلا تشعر بوجود مهام رسمية، ولا تشعر أنك تتلقى التعليم من معلم ومراقب، بل تشعر أنك برفقة صديق حكيم، وأن صاحب الكتاب يخاطبك بشكل شخصي، وعملية الحضور هي نتاج بحث واعٍ يمكنك من التوحد مع الذات الأصلية والشعور بالتوهج العميق لهذا التوحّد، وتتمّ الإشارة إلى الذات الأصلية بكلمة الحضور، بينما يُطلق على التجربة المتوهجة التي تصبح ممكنة عندما يتولّى الجوهر زمام حياتنا بكلمة “إدراك اللحظة الحالية”، وتعدّ عملية الحضور رحلة موجهة تزوّدنا بالأساليب العملية والأدوات الشعورية التي نحتاج إليها لاستخلاص انتباهنا مما يتيح لنا تدريجياً إعادة دخول اللحظة الحالية والتي تنكشف فيها خبراتنا، وأول مفتاح لتحقيق ذلك يتمّ من خلال أسلوب واضح ولكنه مهمل إلى حدّ ما يتمثّل في عملية التنفس المتصل الواعي، وهو ممارسة التنفس المتعمّد دون الانتظار طويلاً بين الشهيق والزفير، وهذا يؤدي إلى زيادة الإحساس بالعافية والذي تمّ اكتسابه من تعزيز الحضور الشخصي، فليس هناك أداة للشفاء أكبر من التنفس المتواصل الواعي مصحوباً بإدراك الحضور الذي تستحضره هذه الوسيلة، وما ينشده الكاتب أن تصبح عملية الحضور أداة يسيرة للتكامل الشعوري للجميع، وبدلاً من تحويل عملية الحضور إلى نموذج يتمّ تعليمه من خلال المدرّب الذي حصل على التدريب تصبح متوفرة بشكل مباشر من خلال هذا الكتاب وتقديمه بطريقة سوف تمكنك من أن تكون أنت المدرّب في رحلتك لإدراك اللحظة الحالية، وتمكّن هذه العملية أي شخص من تجربة الحضور وإدراك اللحظة الحالية دون الاضطرار إلى خوض الطريق الطويل المليء بالتحديات، حيث يقدّم الكاتب طريقة واضحة وآمنة، ويتدفق نصه بسلاسة ويتواصل بوضوح وفاعلية ليبدأ كتابه بعرض اتجاهين يمكن التعامل مع الكتاب من خلالهما وهما القراءة والدراسة، أو التجربة المباشرة، ويقدّم الجزءان الأول والثاني نظرة عامة ووسيلة للتأقلم مع ما هو قادم في الكتاب ليساعدنا على الاستعداد للرحلة الفعلية، وعندما نشرع في الجزء التجريبي فإن المدخل يكون رفيقاً وبطيئاً وخطوة بخطوة، فأمامنا عشرة أسابيع لاستكمال العملية، وكل أسبوع يقودنا إلى أعماق أكبر وأسرع بشكل تدريجي مما يتيح لنا وقتاً كبيراً لكي نشعر ونتكامل ونتحضّر لهذه العملية القوية. كما أضاف الكاتب عنواناً لكل تجربة أسبوعية هي بمثابة نقطة الانطلاق لمحور تركيز كل فصل، ثم يتمّ تقسيم المحور إلى عدة أفكار رئيسية يتمّ التوسع فيها لتعزيز فهمنا، ثم يتمّ إعطاؤنا تمارين أو ممارسات محدّدة لكي تعيش تلك الأفكار في داخلنا، وينتهي كل فصل بتحديد التحديات التي قد تظهر وكيفية التعامل معها. وبذلك يتجلّى كل فصل بكياسة ووضوح ويتكامل بمهارة مع ما سبق، ويقودنا بلباقة إلى المرحلة التالية من العملية بكل وضوح، وجوهر العملية يكمن في أن نتعلّم ونجد الهوية في الحضور، ففي الأسابيع الستة الأولى من القسم التجريبي يوضح لنا كيفية التعرف على “أطيافنا”، تلك الشحنات العاطفية التي لم يتمّ حلها واعتناقها من خلال الحضور المحب.

ويطرحُ الكاتب في الفصول الأخيرة المزيد من مهارات الحضور عالية المستوى لكي نخرج من حدود تفكيرنا ونبتعد عن تصوراتنا الذهنية وعن التشتت والتسامي المادي، وبدلاً من ذلك نركز على “إدراكنا المحسوس” ومشاعرنا الداخلية، لأننا لن نستطيع من خلال عقولنا أو تصوراتنا العاطفية إدراك ومعايشة الأصداء العاطفية التي لم يتمّ حلها، ونحن هنا بحاجة لأن نتعلم تنمية الإدراك المحسوس، وفي نهاية التجربة نقوم بتحديد الهدف النهائي والدخول في تجربة فريدة تمّت معايشتها والاستمرار بالشعور بالتوحد مع الحضور الكلي، مما يقدّم لنا مجموعة من الرؤى غير المعتادة، ويؤكد قانون “اطلب وسوف تأخذ، ابحث وسوف تجد”، وكذلك “كما تعتقد سوف يكون” لأن معتقداتنا عن الحب تحدّد لا محالة تجربتنا الفعلية له، فهناك توافق تام بين الأصداء الداخلية والظروف الخارجية لحياتنا، وفي نهاية الكتاب توجد “هدية وداع” هي عبارة عن تأمل ختامي ينصحنا الكاتب أن نقوم به يومياً لكي يساعدنا على البقاء مرتبطين بحضورنا الشعوري.

وفي النهاية فإننا ندعو هذا الوعي بالحضور لأن يكون معنا على الدوام عن طريق التعرف عليه والاحتفاء بكل من شموليته المستمرة وتعبيره المنفرد، ويمكن القول إنه عبر اتباع التعليمات البسيطة في هذا الكتاب تستطيع شق طريقك لخوض تجربة الحضور دون أن تضيع الوقت والجهد من أجل الوصول إلى الضوء والفرحة التي تتردّد في ذات واحدة كبيرة.

لوردا فوزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *