العلاقات التركية – الأمريكية.. إلى أين؟

محمد نادر العمري

حالة من القلق عاشها النظام التركي برئاسة رجب طيب أردوغان تزامناً مع وصول إدارة أميركية جديدة برئاسة جو بايدن، وهو ما برز بداية في تأخر تهنئة أردوغان للرئيس الأمريكي المنتخب لعدة أيام، حيث كان يفضّل تأجيل التهنئة حتى إعلان النتيجة رسمياً، وذلك خوفاً من غضب ترامب، الذي قدّم له الدعم في عدد من الملفات المختلفة.

هذا القلق تزايد مع وجود شبه إجماع من قبل متابعي العلاقات الدولية بأن المرحلة القادمة من العلاقات بين النظامين سيسودها تراجع، خاصة وأن بايدن سيوجّه انتقادات واسعة لرئيس النظام التركي فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان وحرية الرأي ووضع الأقليات، إضافة إلى أنشطته التوسعية، ففي أكثر من مرة هاجم بايدن أردوغان ووصفه بـ”المستبد” في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، مندداً بسياسته مع الأكراد، وضرورة دعم المعارضة، قائلاً: “يجب تشجيع خصوم الرئيس التركي حتى يتمكّنوا من مواجهته وهزيمته، ليس عبر انقلاب، بل بالعملية الانتخابية”، كما رفض الاعتداءات العسكرية التركية في سورية والعراق، قائلاً: “تركيا هي المشكلة الحقيقية هنا، وسيكون لي حوار مغلق حقيقي مع أردوغان وتعريفه بأنه سيدفع ثمناً باهظاً على ما فعله”، فضلاً عن أن بايدن سيتجه أكثر على ما يبدو إلى التنديد بالسلوكيات والخطا غير الليبرالية والمناهضة للديمقراطية التي تسير عليها أنقرة، كانتهاكات حرية الصحافة، وقانون وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه في المقابل، لا يمكن افتراض تحوّل العلاقات بين واشنطن وأنقرة إلى حالة من العداء التام، إذ سيظلّ يدرك كلا الطرفين أهمية علاقته بالآخر، وضرورة تعظيم التفاهمات والمصالح المشتركة. وهنا لابد من الإشارة إلى أن بايدن وأردوغان على دراية ببعضهما البعض منذ عهد بايدن كنائب للرئيس باراك أوباما، فقد كان بايدن أعلى مسؤول أمريكي يزور تركيا في أعقاب الانقلاب الفاشل عام 2016 في البلاد، وألقى خطاباً عاطفياً لتأكيد الدعم الأمريكي لتركيا، وكان بايدن هو الشخص الذي يتولى ملف العلاقات مع أردوغان، وخاصة في العامين الأخيرين من إدارة أوباما، بسبب تدهور العلاقات بين أوباما ونظيره التركي.

وفيما يلي بعض القضايا العالقة بين البلدين:

العلاقة مع روسيا وأزمة S400:

في ظل ما أبداه بايدن من تحفّز برز خلال حملته الانتخابية وبعد فوزه حيال علاقات بلاده مع روسيا، وفي ظل ما أبداه أيضاً من موقف معادٍ للنظام التركي، من المتوقع أن يركن النظام التركي في علاقاته مع روسيا للحذر إلى حدّ كبير وذلك خلال الشهور الأولى من حكم بايدن. وربما يكون التحدي الأكثر إلحاحاً الذي ينتظر أردوغان مع إدارة بايدن هو الخلاف الذي يبدو أنه لا يوجد حلّ فوري له، والمتمثل في شراء ونشر نظام S400 الروسي المضاد للطائرات، والذي زعم أنه يهدّد الطائرات المقاتلة الأمريكية الأكثر حداثة ومتعدّدة الأغراض F35.

ليبيا:

بالنسبة للملف الليبي الذي يمسّ الأمن القومي المصري بشكل مباشر، سيحاول أردوغان أن يقنع إدارة بايدن بما أقنع به إدارة ترامب بأنه خدمة للمصلحة الأمريكية المباشرة تحت زعم وقف التمدّد الروسي، ومن المؤكد أن الدور التركي في ليبيا سيتجه للمناورة من جديد أمام إدارة الرئيس بايدن، حتى يستعرض ما لديه من أوراق لعب، وينتظر بعد ذلك الموقف الأمريكي منه. وفي كل الأحوال ستحاول أنقرة توظيف الملف الليبي لإثبات تلاقي مصالحها مع مصالح الإدارة الأمريكية، بشكل مباشر أو غير مباشر.

شرق المتوسط:

سوف تخضع العلاقة لعدد من المحدّدات والتحديات: الأول، الحفاظ على الهيمنة والقيادة الأمريكية، وعليه يتوقع أن تبذل إدارة بايدن جهوداً كبيرة في هذا الصدد نظراً لما تمثله منطقة المتوسط من أهمية متصاعدة بفعل العوامل الجيو اقتصادية للمنطقة وموقعها الاستراتيجي، وخاصة في ظل تنامي الاهتمام والنفوذ الدولي بالمنطقة عبر الرغبة الفرنسية في قيادة المتوسط، وهو ما ظهرت ملامحه مؤخراً من خلال الدور الفرنسي على الساحة اللبنانية، أو عبر الانخراط العسكري ونشر معدات عسكرية وإجراء مناورات في منطقة شرق المتوسط، وعليه لن تترك الولايات المتحدة هذه المنطقة دون قيادة فاعلة.

الملف السوري:

هناك توافق أميركي تركي على استهداف وإسقاط الدولة السورية، غير أن هناك خلافاً حاصلاً فيما يتعلق بإدلب وشرق الفرات، إذ تخشى القيادة الأميركية من حصول توافق في صيغة أستانا يعالج موضوع إدلب بما لا يخدم مصالحها، في المقابل تتهم تركيا الولايات المتحدة بدعم إقامة دولة انفصالية في الجزيرة السورية وتزويد الميليشيات في تلك المنطقة بالأسلحة، ما استدعى اعتداءات عسكرية تركية وتوسعاً أثار غضب بايدن قبل وصوله للبيت الأبيض، متوعداً بوضع حدّ للاعتداءات التركية.

من الناحية الإستراتيجية هناك دعوات من قبل النخب الفكرية والسياسية قُدّمت لرئيس الولايات المتحدة السادس والأربعين، تضمنت كيفية تعامله مع تركيا، وانقسمت هذه الدعوات إلى معسكرين: يدعو المعسكر الأول إلى تصحيح العلاقة والانخراط القوي مع تركيا بحجة أنها دولة رئيسية محورية والدولة الإسلامية الوحيدة العضو في “الناتو”، ويجادل أصحاب هذا الرأي بأن أردوغان، وعلى الرغم من كل أخطائه، لا يزال يقود دولة تستطيع مساعدة واشنطن في احتواء توسّع روسيا في مناطق البحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى وسورية. وبحسب هذا المعسكر فإنه لا يتعيّن على الولايات المتحدة الشعور بالقلق حيال قيام تحالف استراتيجي بين روسيا وتركيا، إذ إن هناك خلافات قوية بين أنقرة وموسكو حول معظم القضايا الإقليمية ذات الأهمية الإستراتيجية. ولا توجد ساحة واحدة تشكّل فيها روسيا وتركيا شريكين طبيعيين، ابتداء بمنطقة البلقان وأوكرانيا والنزاع بين أرمينيا وأذربيجان مروراً بقبرص وانتهاءً بسورية وليبيا ومصر والعلاقة مع الكيان الإسرائيلي. كما يعتقد هذه المعسكر أن بوسع أنقرة مساعدة واشنطن في احتواء إيران بوجود رادارات “الناتو” بالقرب من الحدود الإيرانية في مواجهة برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، كما أن قاعدة إنجرليك الجوية تنطوي على قيمة كبيرة للحلف.

وفي المقابل، هناك رواد المعسكر الثاني، ويعتقدون أن أردوغان يعاني من أوهام العظمة، وأنه قضية خاسرة، كما تعتقد هذه المجموعة أن أنقرة لا تشاطر واشنطن مصالحها في الشرق الأوسط أو في شرق المتوسط، وبأن تركيا دخلت بالفعل فيما يقترب من شراكة إستراتيجية مع إيران وروسيا، لذلك أصبحت تركيا دولة يجب احتواؤها من خلال دبلوماسية الإكراه، وليست دولة يجب استقطابها من خلال الانخراط القوي.

وفي خيار ثالث قد يلجأ بايدن وفريق إدارته لإحداث توازن بين الرؤيتين، في محاولة منه لاحتواء تركيا وتغيير واقع الاصطفافات الجديدة، أو قد يلجأ للدبلوماسية الناعمة والمتمثلة في تقديم الدعم للمعارضة التركية ذات التوجهات والعلاقات المتينة بالغرب لتغيير نظام الحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *