مجلة البعث الأسبوعية

من الجذل إلى الشجن.. موسيقا بيتهوفن تحتضن أنغام التجربة الإنسانية جلّها

“البعث الأسبوعية” ــ ترجمة وإعداد: علاء العطار

في كانون الأول مناسبة سعيدة تستحق الذكر، هي ولادة عبقري الموسيقا لودفيغ فان بيتهوفن، ذلك الموسيقار الألماني غريب الأطوار متقلب المزاج، الذي تمكن في فوضى حياته وتخبطها على مذبح الألم من خط نغمات وإيقاعات استثارت في أرواحنا شغفاً لا ينطفئ، وفي زمن التأملات المبهمة الذي نعيشه، يساعد الاستماع إلى موسيقاه في علاج أرواحنا من السقم العكر الذي يثقل كاهل طموحاتها السامية. وليس الجذل والشجن والرفعة والأمل سوى حفنة من التجارب الإنسانية التي تلامسها موسيقا بيتهوفن، فهنالك الكثير، لكننا سنتناول هذه الحقائق في ذكرى بيتهوفن المئتين وخمسين.

وإن حدث واستمعت لبيتهوفن يوماً، فيحتمل أن تكون إحدى أولى تجاربك معه هي أول أربع مقطوعات موسيقية من “السيمفونية الخامسة”. يا لِلِذّة ملاءمتها لواقعنا وسخريتها العذبة منه، فتلك المقطوعات المدوية للسيمفونية الخامسة تتوافق مع دوي مدافع جيشنا وهي تدحر شرور الحاقدين في بلدنا، ويصاحبها دوي الرعد النابض لموسيقيّ ألماني يتمايل فخراً وعنفواناً. لا شك أن المقطوعة الأولى للسيمفونية الخامسة هي لحن يألفه معظم الناس، لكن أشهر مقطوعات بيتهوفن هي “أنشودة الفرح” في “السيمفونية التاسعة”.

يعلم الضليع في الموسيقا أن أصل “أنشودة الفرح” قصيدة نظمها فريدريك شيلر، ويحتمل أن شيلر سعى إلى خط سطورها لتكون أنشودة عن الحرية، لكنه غير رأيه. وبينما كان بيتهوفن يستلهم موسيقاه من عظات شيلر المتشبّه بالإغريق، خطّ أيضاً نسخاً منقحة ركزت على الجذل: “ليس هذا اللحن يا رفاق، فلْنعزف لحناً أكثر بهجة وسعادة. الجذل! الجذل!”

يضم هذا الشهر أيضاً عيد مولد السيد المسيح، إنها مناسبة احتفالنا البهيج والمرح بالتحرر من الخطيئة والدخول إلى الأخوة الحقيقية للبشرية، وهو ما تتغنى به “أنشودة الفرح” بنشوة فائقة. فترى التشاؤم الكالح، الذي انتشر في ديارنا مؤخراً كالنار في الهشيم، يقابله اللحن السماوي ونشوة المقطوعة الرابعة للسيمفونية التاسعة. وأي إنس ينصت إلى “أنشودة الفرح” لا يسعه إلا أن يفتح رحاب صدره للسعادة.

لكن تركيب بيتهوفن البديع لإحياء قصيدة شيلر يتجاوز المتعة الأبيقورية، إذ يعرف أي دارس للكلاسيكيات أن الجذل كان دخيلاً على عالم الإغريق، وهو في الواقع اعتبار لاهوتي موروث من المسيحية.

لم يكن الجذل في نظر الإغريق سوى عثرة، في حين تزخر فلسفتهم بالملذات. والجذل هو تلك الفكرة الغريبة التي نشرها دين غامض أتى عبر البحار من فلسطين. “أنشودة الفرح” تفوق كلمات شيلر الجوفاء، وتعيد إلى الحياة بريق الروح وهي تغني أثناء تعبدها المرح، والتعبد المرح هو أكثر معاني “أنشودة الفرح” جلاء، فما نعبد الله لندخل إلى قلوبنا التشاؤم، بل الجذل، ما التشاؤم إلا داء يلم بالروح، والجذل يحررها لتسمو إلى أبهى صورة، على أي حال، لا أحد يحب المتشائم الكالح. والجذل ترياق يفتك بقسوة التشاؤم وبالانحطاط إلى مستنقع الملذات.

لكن الجذل لا يهون من أشجان هذه الدنيا وعذابها، فالعذاب جزء كبير من حياة الإنسان. وفي هذا نظم روبرت براوننغ هاميلتون قصيدة تجسد عمق الحياة البشرية:

رافقت الملذة طويلا

فحادثتني وحادثتني طول الطريق

لكن كلامها الكليلا

لم يحرر وثاق الحكمة الوثيق

***

شاركت الحزن المسير

لم تتحرك طول الدرب شفتاه

صمته علمني الكثير

حينما زامنت خطاي خطاه

مثل بيتهوفن، كمثل كل الفنانين العظماء، لا يخلو قلبه من الألم والتعبير الرفيع عن الحسرة والمعاناة الإنسانية. “يسوع على جبل الطور” هي إحدى مؤلفات هذا الملحن الدينية الفخمة. يركز بيتهوفن فيها على عذاب السيد المسيح المرير في حديقة الجثمانية. وربما كان باخ قد ألف أكثر ملحمة مؤثرة في تصوير آلام المسيح، لكن بيتهوفن يعيد الحياة إلى المعتقد اللاهوتي القديم، وهو أن مجيء المسيح يشمل بمعاناته الإنسانية، حيث يشارك الناسَ آلامهم.

كانت مشاركة الألم هي رسالة المسيح، وعم تشارك المعاناة في أوائل القرن التاسع عشر عندما ألف بيتهوفن موشحه الديني “أوراتوريو”. وهو في الواقع تجلّ مبشر لحب الله ورحمته، إذ بعث الله عبده ليعاني لمعاناتنا ويألم لألمنا، فالعذاب والألم والحزن جزء من ظروف الإنسان وتجاربه، ولا ينبغي التستر عليها، ففي العذاب والألم والحزن نجد شيئاً عميقاً للغاية، شيئاً جليلاً قد ينقذ أرواحنا. لسنا وحيدين في معاناتنا وألمنا وشجنا، بل إن الشجن قد يكون النداء الواضح للتماسك والحنو في عالم ممزق استعبدته الغريزة والرغبة، لأن الشجن يسمح ببزوغ شمس التعاطف الدافئة.

وتبدو الرفعة كلمة تشير إلى فضيلة في يومنا هذا، ومن منا لا يود التحدث عن الرفعة، لكن يبدو أن قلة من الناس يفهمون أنها لا تعني إنفاق الأموال على الناس أو التبشير بأن السوق وفرص العمل سترتقي بالإنسان إلى رفعة جديدة. لا، فالرفعة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتكافل الناتج عن المحبة التي تجمع الأرواح الممزقة جميعاً كأنها روح واحدة.

“فيديليو” هي أوبرا بيتهوفن الوحيدة، وتناسب السياق الذي نحن بصدده، ففيها يدرج بيتهوفن فصل “جوقة السجناء” البائس والجميل في الآن نفسه. يضعنا هذا الفصل وجهاً لوجه مع أدنى فئات المجتمع، صاح السجناء: “يا لسعادتنا، نحن في الهواء الطلق.. سنثق بعون الله بكل ما أوتينا من إيمان! همسات الأمل الرقيقة تداعب آذاننا!”

تتمتع هذه المقطوعة ببصيرة نافذة لعدة أسباب. أولاً، تجعلنا حركة المقطوعة الموسيقية على اتصال مع أدنى فئات المجتمع، أولئك المنبوذون الذين ضاعوا في صفحات النسيان. لكن لا يريدنا بيتهوفن أن نقع فريسة العقلية الخبيثة نفسها التي تحضنا على نسيان إخوتنا وأخواتنا الذين نسخر منهم ونسعد لوجودهم في السجن… كلنا خطّاؤون في النهاية.

ثانياً، عند وضعنا مع السجناء وجهاً لوجه، نشاركهم تطلعاتهم، فنحن نتشارك تطلعات الروح نفسها، نتشارك الخوالج نفسها التي تجعل الروح تلملم شتات نفسها وتسعى إلى السمو نحو النجوم والشمس التي تعلوها، عندها ترانا نهتف لهم لينالوا حريتهم ويختبروا الرفعة التي تشتهيها الروح الظمآنة، فنمسي والسجناء بنياناً واحداً! فانظر إلى هذه الموسيقا التي تكمل روح التكافل.

أخيراً، لا تلين عزيمة السجناء أبداً، لا، فقد وجدوا الجذل والأمل – الجذل “في الهواء الطلق” – والأمل في “همسات” الله “الرقيقة [التي] تداعب آذانهم!” حتى أدنى فئات المجتمع، ما زالوا يجدون في أدنى مستويات الروح وأحلكها ذلك الجذل والأمل الذي يسمو بنا إلى تلك الطيبات التي تحتضنها السماء. والأهم من ذلك أن كلمات بيتهوفن توضح لنا أين يوجد الأمل الحقيقي – ليس في الوعود السياسية الفارغة، بل في الله وحده. ويقابل صورة الخراب والهوان المحيطة هتاف الروح المتعالي: “سنذوق طعم الحرية، وسننعم بالسكينة والطمأنينة. يا الله! هل ستنعم علينا بالخلاص وبالسعادة وبالحرية؟!”

نرى الرفعة في السجناء ليس لأننا نتعاطف معهم فحسب، بل لأننا نرى فيهم الروح نفسها والوجه نفسه والطموح نفسه التي لم تكن لولا إرادة الله. ندرك في هذا الأمل المشترك أيضاً فضيلة الأمل العظمى التي ترفعنا إلى آفاق جديدة، وتسمح لنا بالصمود أمام عاصفة الانحلال التي من شأنها أن تمحونا. بدون الأمل لا يمكننا تذوق الحرية، وبدون تعاطف لا مكان للحب بين أضلاعنا.

يربط بيتهوفن بأعجوبة فضيلة الأمل العظمى بأدنى مستوى يمكن للروح أن تجد نفسها فيه، فيعلمنا أن الإنسان في غياهب الشجن لا يزال بوسعه أن يجد الرفعة والأمل. فلنشكر بيتهوفن، ملحن الجذل والشجن والرفعة والأمل.. طبيبُ الروح.