تعهد إعادة القطع؟!

قسيم دحدل 

فتحت قضية (التعهد بإعادة قطع التصدير) شجوناً سابقة حين تم إقرار هذا الأمر نهاية الثمانينيات، وما أعقبه من إيرادات ومنافع نقدية ومالية على الاقتصاد الوطني عامة، ما سلّح مصرفنا المركزي وخزينتنا العامة بسلة من العملات، ودعم خياراتنا وجبهات نشاطنا الاستثماري والصناعي والتجاري، إلا أن عدم استدامة العمل به من 2009 قلَّب المواجع وأثار الشكوك، لاسيما في ظل وجود اعتراضات رسمية حكومية عليه آنذاك، بقدر ما كانت له من آثار سلبية نحصد نتائجها حالياً.

وبعد أن كان المصدر يلتزم بإعادة 100% من القطع الأجنبي الناتج عن نشاطه التصديري لبنكنا المركزي، انخفضت تلك النسبة منذ بداية التسعينيات إلى 50%، لتصبح في عام ألفين 10%، أي أن المصدر استحوذ على 90% من القطع ليودعها حيثما يشاء في الداخل أو الخارج؟!.

وهكذا تتابعت المُسايسة والمسايرة المشبوهة للوضع، حتى استفقنا مؤخراً على القرار الأخير للحكومة التي طرحته – في خطوة تحسب لها – على الشريك من الخاص لإبداء الرأي حول إعادة العمل بتعهد القطع.

القضية ليست هينة أبداً، خاصة في ظل الظروف الحالية، حيث تعددت خيارات إمساك الحكومة من اليد التي تؤلمها من قبل الذين لا يتورعون مطلقاً عن فعل ذلك، ولكن للضرورة الملحة في أن تكون يد الدولة هي العليا وجب الحزم الذكي والمرن في هذا الشأن، وعدم المهادنة مع من قطع وبت مباشرة رفضاً لرأيها في إعادة العمل بتعهد القطع، ولم يكلف نفسه مهمة ومسؤولية الوصول لحل وسط، خاصة أن الحكومة مدت له اليد، وأتاحت له الرأي والاقتراح؟!.

في ضوء هذا التلقف السلبي وغير المسؤول ممن يعارضون “التعهد”، نسأل عن الأموال السورية التي كانت مودعة في المصارف اللبنانية مثلاً، وهي كلها بالقطع الأجنبي وبالمليارات، هي في جُلها لمن؟! وأين أضحت؟!

نعم، ولا نخفي أن سؤالنا ليس من باب الغمز، بل هو مباشر لأولئك الذين كانوا يفضّلون إيداع مئات الملايين من الدولارات في المصارف اللبنانية والخارجية بدلاً من إيداعها في مؤسسات وطنه الذي لولاه لما كان لهم جني الهائل من الثروات؟!.

اليوم حيث ألحت واشتدت الظروف قسوة، ولم يعد الرمادي في الاقتصادي والنقدي والمالي مقبولاً مطلقاً، وجب اتخاذ القرار، وقبله وجب أن تكون البدائل جاهزة، عن كل من يتمنّع مد اليد لمقترحات الحكومة التي سامحت، بكل معنى الكلمة، كثيراً في حقوقها وحقوق الوطن وعامة السوريين.

وعلى من يلوح تحذيراً وتخويفاً من أن العودة لتطبيق “التعهد” ستنعكس سلباً على التصدير أو الإنتاج أو الاستثمار أو.. أو، نقول: إن يد الدولة قوية وطويلة وقادرة على مصافحة الكثير ممن ينتظر مصافحتها، إذ لا يعقل أبداً أن تبقى معادلة مكونات “تعهد إعادة القطع” على ما هي عليه، وغير منطقي ومقبول أن يظل المصدر يأخذ تمويلاً بسعر صرف مدعوم، ويبيع بالسعر الأسود، وفوقها يقلب عملته الوطنية مساء كل يوم لدولار ويورو، أي يضارب ويحقق أرباحاً جنونية، وفوق هذا وذاك يحتفظ داخلياً أو خارجياً بأرصدته من القطع الصعب بذريعة استمرار مقدرته على إنتاج واستيراد ما يحتاجه الوطن!.

ولأننا من أصحاب الرأي المرن المستند لحقائق الواقع، والاعتراف بتوازناته، نرى من الحكمة الركون والاحتكام لمنطوق المثل القائل: “لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم”، ونترك لأهل الاختصاص والخبرة هذه الأمانة وإلا “فقد أعذر من أنذر”.

Qassim1965@gmail.com 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *