مجلة البعث الأسبوعية

احترافنا ليس استراتيجية عمل بل هدر للمال وللطاقات. . أفكار التعديل لم تجد نفعا والأندية تدفع ثمن غياب الرؤية!!

“البعث الأسبوعية” ــ ناصر النجار

الشروط والآليات الموضوعة في النظام الداخلي لتعيين الإدارات في الأندية والاتحادات الرياضية وغيرها من المؤسسات هي شروط موضوعية وجيدة توصل الشخص المناسب إلى المكان المناسب.

فمن الناحية النظرية أمورنا بخير، أما عملياً فالتطبيق لا يكون جيداً لعلّة في الأشخاص، لذلك نقول: العلّة فينا، وليس في النظام الداخلي للاتحاد الرياضي العام.

وإذا اطلعنا على الشروط الخفية في التعيينات فإن أهم شرط نجده هو شرط “الولاء”. . “الولاء للأشخاص وليس للمنظمة”!

لذلك، ومن سنوات بعيدة، طبقت قاعدة “هذا معنا وهذا ضدنا”، فالشللية في الأندية، مثلاً، والتي تحدثنا عنها مطولاً قبل ثلاثين سنة، ما زالت موجودة، بل وتجذرت بشكل أكبر من ذي قبل وصارت عميقة؛ وهذا الأمر نجده اليوم بادياً للعيان، وهو أحد الأمراض القاتلة في رياضتنا، ومن هنا نشأت نظرية المؤامرة، التي باتت الشماعة التي يبرر بها أي فشل وكل فشل.

 

مثال حي

في المؤتمر الصحفي لنادي الوحدة – وهو مخصص لتقديم المدرب الكروي الجديد – استعرض رئيس النادي المحاولات التي استهدفته لخلعه من النادي، ليصل إلى نتيجة مفادها أنه باق رغم كل هذه المحاولات، وأنه صامد، وأن كل العثرات التي ظهرت هي نتيجة هذه الحرب الضروس الخفية. وهذا الأمر لا يهمنا من قريب ولا من بعيد، وخصوصاً أن هناك من يتخيل وجود عدو وحرب، وما إلى ذلك، لنجسّد قصة المختار في مسرحية “ضيعة تشرين” كأمر واقع في رياضتنا.

الحالة هذه ليست محصورة بهذا المثال، ولكنها للأسف موجودة في كل ناد، كبيراً كان أم صغيراً.

والأسباب التي تؤجج الخلاف والصراع في هذه الأندية هي الاعتماد بالدرجة الأولى على الأشخاص الموالين لرئيس النادي، بغض النظر عن معايير الخبرة والكفاءة، ليتحول النادي إلى “نادي فلان”، لأن أبناء النادي يرون أنفسهم صاروا خارج أسواره من أجل عملية الولاء هذه.

وهذا الأمر واقع تماماً، ومن المفترض أن يلم النادي شمل أبنائه، لا أن يفرقهم ويوزعهم جماعات.

وهذا هو بداية التدهور والتقهقر، فكل رئيس ناد يريد حوله الأشخاص الذين يساندونه في الحق وفي الباطل، لتكون كلمته العليا، ولينفذ ما يريد من أفكار قد يكون بعضها خاطئاً أو مدمراً.

 

استراتيجية غائبة

الدورة الانتخابية مدتها طويلة، والمفترض أن تصوغ الأندية استراتيجية عمل لهذه الفترة، وتعمل عليها، لكن للأسف لا نجد أي ناد يلجأ إلى مثل هذا العمل والتفكير.

الآن، وفي كل الأندية، نسمع أن الهدف من الموسم المقبل تأسيس فريق منافس على بطولة الدوري، وحشد كل الإمكانيات لاستقطاب لاعبين جيدين. . وهكذا!!

وهذه ليست استراتيجية عمل. . هذا هدر للمال وللطاقات!! ومن الطبيعي أن يكون هدفنا الفوز بالألقاب، لكن من غير الطبيعي أن يكون الطريق معوجاً لتحقيق هذا الهدف.

على سبيل المثال: أندية دير الزور حتى الآن تعاني من الفقر بسبب عدم وجود المقرات والاستثمارات والموارد المالية لأسباب لا تخفى على أحد، وهي حالة مؤقتة فرضتها سنوات الأزمة.

ما نجده أن ناديي الفتوة واليقظة يقومان على تبرعات المحبين، ويبدأ الناديان رحلة العمل من أجل جلب المدربين واللاعبين ودفع الأموال والعقود.

في هذه الحالة – الخاصة جداً، وهي مؤقتة بطبيعة الحال – نرى أن العمل خاطئ، ولا فائدة منه، رغم الجهود المخلصة المبذولة، وذلك للأسباب التالية:

أولاً، الحالة القائمة لا تستوعب ناديين يمارسان كرة القدم، لذلك لابد من الاكتفاء بنادي الفتوة وحشد كل الطاقات له.

ثانياً، الاعتماد على أبناء النادي، والغريب في احترافنا المعوج أن أبناء الفتوة موزعون على الأندية، وناديهم محروم من جهودهم، ونجد النادي يلهث وراء رضا لاعب من هنا ولاعب من هناك.

ثالثاً، تنشيط الألعاب الأخرى، فبدل صرف مئات الملايين على كرة القدم فقط، توزيع هذه المبالغ على ألعاب نشطة مثل كرة اليد التي تعتبر في دير الزور من الألعاب المتفوقة.

رابعاً، اعتبار هذه المرحلة مرحلة بناء عبر تأسيس قواعد جيدة من الخامات التي تزخر بها مدينة دير الزور، لتكون اللبنة والركيزة الأساسية لرياضة متقدمة في المستقبل.

لذلك نجد الاستراتيجية غائبة تماماً في هذا المجال، والهم – أولاً وأخيراً – هو كيف نحصل على المال لتشكيل فريق كرة القدم؟ وكيف نسعى لبقائه بالدوري؟

 

صورة مشوهة

هذا الأمر سيضعنا في صورة مشوهة للرياضة في الأندية، وهذه الصورة تعتمد في تشكيل الإدارات على الداعمين، من أجل مساعدة الأندية في الإنفاق وجلب المتبرعين.

قد يكون جزءاً من هذه الصورة مشرقاً يعبَّر عن صدق الانتماء للأندية ومحبة الناس لها والتفافها حولها، لكن ثبت أن هذا لا يصنع الشيء المهم لهذه الأندية، لأنه حالة مؤقتة، ولنا في ذلك أمثلة عديدة، منها ناديا الطليعة والنواعير، ففي كل موسم هناك أزمة مالية تقضي على بريق النادي، لدرجة أن نادي النواعير هبط إلى الدرجة الأدنى كروياً بسبب هذه الأزمة. وهذا الموسم سيعاني، ودوماً نسمع عن تشكيل إدارة النواعير، والبحث عن الداعمين ليستلموا النادي، فالهدف هنا مالي، وليس بناء الرياضة، وخصوصاً أن البعض لا يملك الخبرة الرياضية المفترضة في بناء الرياضة بالأندية.

والأخطاء هنا كثيرة ومركبة، أولها أن أعضاء الإدارات لن يكون لهم القول الفصل في القرارات لأن صاحب المال هو الأقوى، وتراهم ينصاعون إليه في كل شيء، سواء أكان على صواب أم على خطأ؛ وهذه مشكلة تواجه كل إدارات أنديتنا، فرئيس النادي هو السيد المطلق الذي يمرر قراره، ولا أحد يتجرأ على مناقشته، خصوصاً أن الكثير من أعضاء الإدارات هدفهم المنفعة فقط من خلال تولي بعض المهام، وهذه الحالة لا تحتاج إلى أدلة لأنها موجودة علناً في كل مكان. .

 

الإعلان عن الهدف

ماذا نريد من رياضة النادي؟

عندما يكون الجواب متطابقاً مع الإمكانيات الفنية والمستلزمات والإمكانيات المالية، فإن الاستراتيجية صحيحة.

نبقى في حماة، وفي ناديي الطليعة والنواعير، لنجد أنهما يمارسان من ألعاب الكرات كلاً من القدم واليد والسلة، ويتنافسان فيما بينهما، وهي حالة إيجابية.

لكن الخطأ ألا يكون هناك توزيع عادل للكتلة المالية على الألعاب، وأن تكون القواعد مهملة لدرجة كبيرة. وهنا تتوضح لنا صورة إدارات الأندية التي لا يتدخل أعضاؤها في وضع هذه الاستراتيجية، ليكونوا “كومبارس” يعملون تحت أمرة من بيده الحل والربط، أو “من بيده المال”، لأن أي منهج يريدون تنفيذه سيفشل بغياب الدعم المالي.

 

الحلول الواقعية

نحترم كل الأندية ونقدر جهودها وعمل أعضائها، وما ذكرناه من أمثلة ليس انتقاصاً من هذه الأندية، إنما لشرح الهدف؛ والحالات التي ذكرناها موجودة في كل الأندية بلا استثناء، وإزاء هذا الوضع غير المرض لابد من البحث عن الحلول المجدية الواقعية، ونحن لا نريد حلولاً مثالية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

الدول الخليجية كنا نعلمها الرياضة ونتفوق عليها في كل الألعاب الرياضية، ولم تكن تملك إلا المال.. استثمروا المال بالشكل الصحيح، وحصلوا على ما يريدون من الرياضة، وما زالوا يبحثون عن الأفضل.

ما نملكه نحن يفوق المال الذي يملكونه.. نملك المواهب والخامات ولدينا الخبرات بكل الألعاب الرياضية، ولكننا عاجزون عن استيعاب هذه المواهب والاستفادة من الخبرات.

من هذا المنظور، يجب أن يبدأ الحل عبر الزج بالخبرات الرياضية بالأندية ومنحها كل الصلاحيات الواسعة، والعمل على تطوير القدرات الكامنة في الشباب لتهيئتهم ليكونوا خبراء المستقبل.

ولأن الرياضة صارت علم واختصاص، لا بد من وجود مكتب قانوني ومكتب مالي ومكتب استثماري. وقد تكون هذه المكاتب موجودة، لكنها تعمل وفق رغبة إدارات الأندية، فالمكتب القانوني يجب أن يرشد النادي إلى الطريق الصحيح في عقوده، سواء مع الكوادر واللاعبين أو مع المستثمرين، ولو كان اتحاد الكرة يملك المكتب القانوني الناصح لما وقع في ورطة العقد مع نبيل معلول؛ والكثير من أنديتنا وقع بالورطة نفسها في عقوده مع الكوادر ومع اللاعبين، وهذه العقود لا تستوفي مصلحة النادي بقدر ما تضمن حقوق اللاعب، وهي مشكلة كبيرة، فضلاً عن عقود الاستثمار التي نجد فيها أن النادي مغبون بكل حقوقه.

أيضاً، يجب أن يكون المكتب المالي مستقلاً، وأن يقف بوجه كل التجاوزات، وأن يرشد إدارات الأندية إلى الخطوات الصحيحة حتى لا تقع هذه الأندية في المخالفات، عن طريق الجهل أو الخطأ أو القصد المتعمد. والحقيقة أن كل المحاسبين في الأندية يعملون على تسوية المخالفات المالية من خلال الالتفاف على القانون ليرضوا إدارات الأندية.

في الاستثمار، من المفترض أن يكون في النادي اختصاصيون في هذا المجال مهمتهم البحث عن موارد استثمارية ليس في المواقع فقط، وإنما في الإعلان والتسويق والمشاريع الصغيرة التي تدر على النادي الكثير من الأموال. وسبق أن تكلمنا عن المشاريع الصغيرة من خلال استثمار شعار النادي في المنتجات المستهلكة، وها هو نادي تشرين بدأ بالخطوة الأولى من خلال بيع قمصان الفريق لمن يرغب من محبي البحارة.

هؤلاء كلهم استشاريون في الأندية، وهي تحتاجهم؛ والمنطق يقول: إن رئيس النادي وأعضاء إدارته بحاجة إلى خبرة هؤلاء، لأنه ليسوا بالضرورة أن يكونوا ملمين بكل هذه المصالح المهمة.

 

الحلول الفنية

من المفترض أن ترفع الأندية شعار “على قد بساطك مدر رجليك”، أي على كل ناد أن يعمل وفق إمكانياته. لذلك لا بد من عدم الانصياع التام للاحتراف الذي يهدر كل المال، ويبدد كل الإمكانيات، والتزاحم على الدرجة الممتازة صار ضاراً، لأنه يستنزف كل شيء دون أي فائدة مرجوة.

صورة كرة القدم اليوم تقول: هناك هجرة كبيرة للاعبين المبرزين للدوريات الخليجية، وهناك عدد مماثل بلغ سن الاعتزال، ولم يبق في الدوري إلا بعض اللاعبين المتميزين. وإذا افترضنا أن أربعة أندية قادرة على سحب المتبقين من اللاعبين (تشرين- الجيش- الوحدة – الكرامة)، فإن بقية الأندية ستبحث عن النخب الثاني من اللاعبين، وتدفع لهم ما يستحقون وما لا يستحقون، ولن تحقق هذه الأندية من هذه التعاقدات إلا النجاة من شبح الهبوط.

لذلك، فالحل المنطقي أن تعتمد الأندية على أبنائها وشبابها، وأن توفر المال في بناء قواعدها وهي تجارة رياضية رابحة.

عندما تهتم الأندية بصناعة اللاعبين فإنها ستجد بعد سنوات وفرة من اللاعبين المميزين الذين يدافعون عن ألوان النادي. ومن الممكن استثمار بعض اللاعبين في البيع الخارجي والداخلي، وهذا نوع من الاستثمار رابح؛ وإذا علمنا أن أهم مصدر دخل في نادي الوحدة هو بيع لاعب واحد (عمر خريبين)، فلو كانوا ثلاثة أو أربعة ماذا ستكون الحصيلة؟ وهذا الأمر يجب أن يكون باهتمام أنديتنا لأننا نملك من المواهب والخامات الواعدة الكثير الكثير.

بالمحصلة العامة، كرتنا باتت مفلسة، ونحن بحاجة إلى ضخ دماء وروح جديدة فيها، فاللاعبون النجوم في كرتنا على أبواب الاعتزال، ولا بد من جيل جديد يخلف الخطيب والسومة والخريبين والمواس والصالح وغيرهم.

هذه المسؤولية تقع أولاً على أنديتنا، واتحاد كرة القدم قادر على إجبار الأندية على ذلك، كما فرض اتحاد الكرة السابق على الأندية إشراك سبعة لاعبين شباب مع فريق الرجال لوقت معين.

حديثنا عن كرة القدم ينطبق على بقية الألعاب، وعلى الاتحادات الرياضية بشكل قريب.. هي فكرة قد تكون قابلة للتحقيق والتطبيق، وقد تكون غير ذلك، وما تحدثنا عنه هو من باب الواجب المهني ليس إلا.