دليل الغد الواقعي

أحمد حسن

كل شيء في خطاب القسم الذي ألقاه السيد الرئيس بشار الأسد يوم السبت الماضي كان يشير إلى المستقبل. كل جملة. كل عبارة. كل تفصيل. كانت تتوجّه إلى هناك. حتى الإشارة الموجزة، لكن البليغة، إلى الماضي (أسباب الأزمة) جاءت لخدمة الغد، سواء بكونها استخلاصاً للدروس والعبر لعدم تكرارها مستقبلاً، أم بكونها، إضافة إلى ما سبق، عملاً تأسيسياً لذاكرة صحيحة، وصحيّة، عما سيصبح، مستقبلاً، تاريخ شعب لا يجب، ولا يجوز، تركه رهن روايات وسرديات ليس لها في المحصلة إلا أن تكون قنابل موقوتة ملغّمة يخطط لها أن تنفجر في مستقبله كل مرة يرغب فيها “طامع” ما، وذلك لأننا، بحسب السيد الرئيس “إن لم نحلل ولم نتعلّم الدروس عمّا حصل في الماضي فسوف ننتقل إلى المستقبل زمنياً فقط”، وتلك كارثة الكوارث.

الحديث في “خطاب قسم” عن عدد المصانع التي تعمل وتلك التي هي قيد التجهيز كان أفصح في الدلالة على المستقبل. تكرار دعوة السوريين المغرر بهم للعودة والمشاركة في بناء البلد، لأن “الرهانات سقطت وبقي الوطن”، وتفنيد بعض تفاصيل تضليلهم ودحض بعض أوهامهم، كان أفصح وأفصح. الاكتفاء بذكر المحتّل التركي والأمريكي مع عملائهما وغياب الإشارة إلى الدور المخزي والقاتل لبعض العرب عن الخطاب، رغم طراوة الجرح السوري العميق والمتسع جراء ذلك، كان قولاً رئاسياً سورياً بالغ الدلالة عن الكبر والتعالي على الجراح من أجل عروبة حقّة ببعدها الحضاري الجامع والشامل لا خلاص إلا بها مهما طال زمن إنكارها وكثر عدد الكافرين، والهازئين، بها.

لغة الجسد الرئاسية الواثقة والهادئة، لكن المتوثّبة حين يحتاج الأمر إلى ذلك، كانت الدليل الأبلغ على انتهاء مرحلة قاسية وبدء التوجّه الجدي نحو مرحلة أخرى قد لا تقل عن سابقتها قساوة وصعوبة لكنها على الأقل محسومة النتائج السورية رغم وعورة الدرب وشراسة العدو.

ولأن السياسة لا تعرف الصدفة فقد كان التزامن بين خطاب القسم وزيارة وزير الخارجية الصيني –بدلالة الصين اليوم ومحوريتها في الصراع على قمة العالم الجديد- وما رافقها من توقيع اتفاقيات اقتصادية وازنة وإستراتيجية دليل آخر أفصح وأكثر عملية.

بيد أن الميزة الأهم للخطاب هي أنه، أيضاً وأولاً، كان خطاب المستقبل الواقعي، حيث لا وعود كبيرة ولا نتائج حاسمة إلا إذا ارتبطت بالعمل الدؤوب، فإذا كان من الصحيح أن الرئيس لم يرفع في خطابه سقف الوعود لكنه رفع سقف الأمل حين أكّد بوضوح أن كل شيء ممكن التحقّق، وكما هي الأرقام دليله المادي على ذلك، فإن ايمانه بالسوريين دافعه الأول، وثقته بوطنيتهم وقدرتهم التي أثبتت هذه الحرب الطويلة والشرسة عمقها وعظمتها مؤشّره الأساس على إمكانية تحقيق ذلك.

واستطراداً، فإن إشارته إلى ضياع الأموال في المصارف اللبنانية كعائق رئيس مسبب للاختناق الاقتصادي السوري إلى جانب الحصار والعقوبات الجائرة وتأكيده على أن عودتها ليست بأيدينا بل ترتبط بحل أزمة لبنان التي ترتبط بدورها بأطماع وأوهام وقضايا إقليمية ودولية معقّدة، كان، من جهة أولى، تأكيد على حقيقة يحاول البعض تجاهلها في دراسة أسباب ما يحصل الآن، ومن جهة ثانية، رسالة مستقبلية للسوريين تؤكد للمرة الألف أنه “ماحك جلدك مثل ظفرك”.

بالمحصلة، هذا خطاب الغد ودليل عمله الواقعي والبسيط، لكن الواضح والجلي والوحيد، فكما قال الرئيس، نحن لسنا بخير بيد أنه يمكن تجاوز ذلك، وهذه الإمكانية وإن كانت تدخل فيها عوامل خارجية لا يمكن، ولا يجب، إنكارها أو التعامي عنها، إلا أن دورنا، نحن السوريون، أولاً وقبل أي أحد آخر، وتلك رسالة الخطاب الرئيسية ومغزاه العميق، فـ”قدر سورية أن تمنح التاريخ ملاحم يقرأ صفحاتها كل من يريد أن يتزوّد بدروس الشرف والعزة والكرامة والحرية الحقيقية”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *