الشاعر فناناً تشكيلياً

لم يكن موضوع المحاضرة التي ألقاها مدير الهيئة العامة السورية للكتاب د. ثائر زين الدين مؤخراً في مقر اتحاد الكتاب العرب – فرع دمشق – وحملت عنوان “الشاعر فناناً تشكيلياً” فكرة طارئة بالنسبة له وهو الذي ما توقف عن التفكير في موضوع الفن التشكيلي والشعر، ولاسيما أنه كان يمثّل شطراً كبيراً من نشاطه كشاعر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي تحت سطوة مؤثرات عميقة مختلفة، أهمها سؤال الشاعر نفسه: “كيف أرى؟ كيف يمكن للكاتب أن يعيش مستخدماً حاسة البصر أجمل استخدام؟” معترفاً أنها ليست أسئلة جديدة، فمنذ أقدم الأزمان شبّه الشاعر والناقد الأدبي اللاتيني هوراس (56 ق.م – 8 ق. م) عملَ الشاعر بعمل الفنان التشكيلي، ورأى أن الشعر هو الصور، في حين قال أبو عثمان الجاحظ: “إنما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير”، وكان ليوناردو دافنشي قد قال عبارته الشهيرة “الرسم شعرٌ يُرى ولا يُسمع، والشعر رسم يُسمَع ولا يُرى”، وكذلك عبّر بيكاسو ذات يوم عما يشبه هذا الرأي حين قال “الرسم هو الشعر، وهو دائماً يُكتَب على شكل قصيدة ذات قافية تشكيلية، وهو لا يُكتَب بالنثر أبداً”.

الفن التشكيلي والشعر

يشير زين الدين إلى أن الشاعر يطمح إلى التعامل مع قصيدته أو مع الورقة البيضاء التي سيكتب عليها كما يتعامل الفنان التشكيلي مع لوحته ومع قطعة القماش التي سيرسم عليها عمله الفني، وهو يسعى  للتعامل مع القصيدة برؤية الفنان التشكيلي بفهمه لكيفية بناء العمل من استخدام للون، حيث تتجلّى برأيه أعلى مراتب التراسل بين الفن التشكيلي والشعر عندما يتمكّن الشعر من استرفاد وتوظيف ما يستطيع من تقانات الفن التشكيلي وأساليبه وأدواته، مؤكداً وجود شعراء تمكّنَوا من تحقيق شيء من هذا بفضل الموهبة العالية والذائقة السامية دون معرفة أكاديمية أو مدرسيّة بالفن التشكيلي أو نتيجة معرفة عميقة بأصول الفن التشكيلي وعلومه وأولها علم الألوان، مشيراً بالعودة إلى النماذج الشعرية الأندلسية حيث الشاعر رساماً ماهراً في استخدام الألوان ضمن قصيدته اللوحة بتأثير بيئة خلابة وحسّ تشكيلي عفوي لافت، لكنه على الأغلب يظل برأي زين الدين وصّافاً ماهراً مبدعاً في بسط الألوان على لوحة القصيدة مع تأكيده أن تجربة شعراء الأندلس عموماً قد أثرت في بعض الشعراء الذين جاؤوا بعدهم أمثال الشعراء: فريدريكو غارثيا لوركا الوريث الشرعي لهؤلاء الشعراء الرسامين الذي قال عنه سلفادور دالي: “ليس لدى لوركا صورة شعرية تبدو خالية من لون مرتعش”، وبالتالي من يقرأ أعمال لوركا الشعرية حسب زين الدين يراهُ مفتوناً بالألوان إلى درجة غريبة ووفق رؤية اللوحة، منوهاً بأن قصائد الهايكو الناجحة جميعها لوحات بكل معنى الكلمة، ومن السهولة أن يحوّل أي مصوّر قصيدة إلى لوحة لأنها مبنية ومؤثثة وفق رؤية اللوحة.

نزعة بيكاسو

يبيّن د. زين الدين أن استرفاد وتوظيف الشاعر لعالم الفن التشكيلي والتصوير وتعامله مع اللون ليست مسألة سهلة لأنها تتطلّب الكثير من الثقافة الفنية في هذا المجال والحسّ العالي ومعرفة خصائص اللوحة وطرائق بنائها ليبني انطلاقاً من ذلك قصيدته، كما فعل الشاعر الفرنسي جاك بريفير في قصيدتين مشهورتين له “نزهة بيكاسو” و”مصباح بيكاسو السحري”، فقد بنى الشاعر هاتين القصيدتين برأي زين الدين كما تُبنى اللوحة السريالية أو التعبيرية، حيث يدرك من شاهد أعمال بيكاسو ولاسيما لوحته الشهيرة “غرنيكا” أن القصيدة الثانية مكتوبة بالكلمات مثلما رسم بيكاسو بالخطوط والألوان، بمعنى أن الطريقتين التصويرية والشعرية متشابهتان كثيراً، حيث استخدم بريفير مفردات الفنان نفسها ابتداءً من عنوان القصيدة “مصباح بيكاسو” مروراً بالصهيل الوحشي للحصان مفكك الأوصال، وبالثور الذي يُقتلُ متوّجاً بالقبعات وصولاً إلى السراج الذي ترفعه يد إحدى الشخصيات، وهي كلها مفردات اللوحة.

من أولاً؟

يؤكد زين الدين أن أثر الفن التشكيلي في الأدب أمر لا يخفى على الدارس، ويرى أحدهم أن التصوير سابق الشعر، فلوحات واتو التي تمثل حلقات الغزل تقدّمت مسرحيات ماريفو الشهيرة بمشاهد الدعابة ولوحات برودون التي تصوّر الليالي المقمرة ولوحات جوزيف فيرنيه التي تعرض أمواج البحر سبقت صفحات شاتوبريان التي تصف العاصفة والليل، وكذلك مهدت لوحة كورييه “الجناز في قرية أورنان” السبيل لمشهد جناز مدام بوفاري، وفي الوقت ذاته ينوه زين الدين بأن كثيراً من الباحثين يرى أن الكلمة قد سبقت التصوير والنحت وغيرهما من أجناس الفن التشكيلي، وألهمت الفنانين سواء كانت شعراً أو نثراً أو روائع خالدة، ففي عصر النهضة وما تلاه من قرون رُسمت لوحات عديدة من وحي الملهاة الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي، التي نظمها شعراً في بداية القرن الرابع عشر، ومن الفنانين الذين استوحوا أناشيد الملهاة على سبيل المثال لا الحصر: جوزيف أنطوان كوخ (1804) الذي رسم لوحة “دانتي وفيرجيلو في الليمو” مستوحاة من الأنشودة الرابعة من الجحيم، والفنان جان أجست دومنيك أنجر الذي رسم لوحة “باولو وفرانشيسكا وقد فاجأهما جانتشوتو” عام 1819 وهي مستوحاة من الأنشودة الخامسة من جحيم دانتي، واستلهم روبرت جوزيف لانجر الرسام والحفار الألماني الأنشودة الثامنة والعشرين من المطهر في إنجاز “فيرجيلو ودانتي في الفردوس الأرضي” وأوجين دولاكروا وعمله المشهور “دانتي وفيرجيلو يقودهما الشيطان”، ليؤكد زين الدين أن المسألة في نهاية المطاف ليست مسألة انتصار لهذا الفن على ذاك، وتعصب لأحدهما على الآخر، فكلاهما يبني ذائقتنا ويرقى بمشاعرنا وأحاسيسنا.

أمينة عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *