دراساتصحيفة البعث

كوبا المحاصرة في مواجهة الولايات المتحدة مجدداً

الدراسات 

فجأة عادت كوبا إلى واجهة الاهتمام وسجّلت حضوراً كبيراً في الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وقد كتب نحو عشرين مشرّعاً جمهورياً مطالبين الرئيس جو بايدن بعقد اجتماع لمناقشة كيفية “إسقاط الحكم في كوبا”. هذا السيناريو ليس إلا ورقة استخدمها الجمهوريون لكسب نقاط سياسية في الانتخابات النصفية المقبلة، بعدما سقطت كل الأوراق من يد السياسيين في أمريكا التي كانوا يستخدمونها في حملاتهم الانتخابية مثل أفغانستان، والعراق، وروسيا، والصين.

لقد مثّلت كوبا ولا زالت حالة فريدة لسياسة الهيمنة الأمريكية، وحالة نادرة حتى داخل كافة دول أمريكا اللاتينية، وأيضاً أنموذجاً لاستمرار الاقتصاد المركزي، وهي  واحدة من آخر خمس دول شيوعية في العالم. في نيسان 1961 أعلن قائد الثورة فيدل كاسترو كوبا دولة اشتراكية، وكان أن تلا هذا الإعلان خلال 24 ساعة هجوم عسكري أمريكي على خليج الخنازير، وكانت تلك الأحداث بمثابة إعلان رسمي عن بداية الصراع الأمريكي- الكوبي بل والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق والتي وصلت إلى ذروتها في نصب الصواريخ النووية السوفييتية في خليج الخنازير عقب إجلاء قوات المعارضة الكوبية.

اختار الحزب الشيوعي التاريخ نفسه ليعقد مؤتمره الثامن الذي ينقل فيه السلطة إلى جيل جديد ولد أثناء أو بعد هذه الأحداث، جيل لم يكن شريكاً في الثورة على باتيستا حليف الولايات المتحدة، ولم يكن جزءاً من صراعات الحرب الباردة والساخنة طوال الستينيات والسبعينيات. أراد الزعماء التاريخيون أن يقدموا رسالة إلى الشعب الكوبي والإدارة الأمريكية والعالم بأن الثورة الكوبية التي اندلعت منذ 6 عقود لم تكن حدثاً شخصياً، بل كوّنت هوية كوبية وذاكرة وطنية وثقافة سياسية واحدة بين الشعب الكوبي، وهو الأمر الذي يشير بقوة إلى أن ما يحدث في كوبا هو استمرار للنموذج الذي صنعته ثورة عام 1959 ولكن مع تلمس بعض التغيرات والتطورات التي بدأت أولى خطواتها منذ تسلم راؤول كاسترو منصب الأمين الأول للحزب الشيوعي ورئيس البلاد منذ 2011 ويمكن الحديث عنها بوضوح الآن بعد مرور 10 سنوات، في عهد الرئيس الجديد دياز كانيل.

التغيير الذي حدث في كوبا في نيسان 2021 ويتحدث عنه العالم اليوم لم يكن الخطوة الأهم في هذا التغيير، بل كانت الخطوات الأهم هي:

  • انتخابات 2018، حيث صوّت فيها نحو 8 ملايين كوبي لاختيار 605 أعضاء للجمعية الوطنية. وأيضاً انتخاب 1265 عضواً للمجالس المحلية. وخلال تلك الانتخابات قام البرلمان بعد تشكيله باختيار أعضاء مجلس الدولة البالغ عددهم 31 عضواً، ذلك المجلس الذي قام في تلك الفترة باختيار رئيس كوبا الجديد خلفاً لراؤول كاسترو في 2018 وهو ميغيل دياز كانيل.
  • في شباط 2019، صوّت 84.4% من الناخبين على الدستور الجديد، حيث وافق عليه نحو 74%، وكان الجديد في الدستور هو حذف الفقرة التي تنصّ على أن الهدف هو بناء “مجتمع شيوعي”، واستبدالها ببناء “نظام اشتراكي”، إذ أقرّ الدستور الجديد بالملكية الخاصة وبعض آليات اقتصاد السوق مثل إدارة مشاريع اقتصادية صغيرة، والسماح بالاستثمار الأجنبي. والمهمّ جداً في هذا الدستور هو السماح بحرية الإنترنت، واستحداث منصب رئيس الوزراء، وألا يزيد عمر الرئيس عند توليه المنصب أول مرة عن 60 عاماً. كما أنه لم يعد مسموحاً لرئيس الدولة أن يكون رئيساً لمجلس الدولة ورئيساً لمجلس الوزراء كما كان في السابق.
  • المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي في نيسان 2021، حيث تنحى كل من راؤول كاسترو السكرتير الأول للحزب، وكذلك نائبه خوسيه ماتشادو عن منصب السكرتير الثاني للحزب. وصدرت قرارات خلال المؤتمر بتحديد سن عضوية اللجنة المركزية بحدّ أقصى 60 عاماً و70 عاماً لتولى منصبي السكرتير الأول والثاني. كما تقرر منح النساء والأقليات تمثيلاً واسعاً في الهيئات الحزبية وخاصة القيادية.

لذلك فإن ما تشهده كوبا اليوم هو بسبب المبالغة الأمريكية في فرض الحصار الاقتصادي عليها، حيث تمّ خلال الأربع سنوات الأخيرة -في عهد ترامب- إقرار 242 سياسة عقابية ضد كوبا، فضلاً عن تداعيات أزمة كوفيد-19 خلال العام الماضي، والذي أدى إلى تدهور قطاع السياحة في الجزيرة الكوبية، وهما العاملان اللذان عطلا الخطط الاقتصادية الإصلاحية نحو مزيد من الانفتاح على اقتصاد السوق التي أيدها الدستور.

على أية حال، ورغم طول فترة الحصار، وتفاقم الوضع في عهد ترامب وزمن الجائحة، إلا أن الصورة الكلية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ليست بهذه القتامة في كوبا. فالنمو الاقتصادي يبلغ 3%. كما تحتل الدولة المركز 70 في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، وتوجد في خانة “مؤشر مرتفع” متقدمة على عدد من دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا.

ورغم الحصار الطويل والقاسي، فإن كوبا حقّقت تقدماً في القطاع الصحي أشبه بالمعجزة نظراً لظروفها. وقد ظهر ذلك بوضوح في مواجهة جائحة كوفيد-19، حيث تمكنت هافانا من مواجهة الوباء محلياً بنتائج لافتة ونسبة وفيات متدنية جداً، كما صدّرت كوادر طبية وصل عددهم إلى نحو 1200 إلى خارج حدودها في 22 دولة في أوروبا وأفريقيا لمواجهة الجائحة خلال العام الماضي.

منذ كانون الأول 2018، ظهرت حركة “سان إيسيدرو”، وهي حركة معارضة من الفنانين والصحفيين، وتكرّرت الاحتجاجات في تشرين الثاني 2020 على الرغم من أن عدد المشاركين فيها لا يتعدى العشرات. وهذه التطورات تشير إلى أن الولايات المتحدة استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لإحداث تغييرات ما عبر المعارضة في الخارج وتحديداً داخل الولايات المتحدة.

لكن ليست كل التظاهرات ممنوعة في كوبا، فقد شهدت العاصمة هافانا وغيرها من المدن مظاهرات حاشدة في 26 نيسان 2021 بالتزامن مع مظاهرات لكوبيين خارج البلاد للمطالبة برفع الحصار الأمريكي عن كوبا، تحت شعار “كفى للحصار على كوبا”، وعلّق الرئيس دياز كانيل على هذه الأحداث على منصة تويتر بقوله: “لقد تحوّل الاحتجاج العالمي ضد الحصار إلى موجة لا يمكن وقفها”. وأيّده بذلك ضغط نواب ديمقراطيين داخل الكونغرس الأمريكي على الرئيس بايدن لإيضاح موقفه من استمرار العقوبات التعسفية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي ختمها في 11 كانون الثاني 2021 أي قبل 9 أيام من تركه البيت الأبيض بقرار إعادة كوبا إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب مرة أخرى، بعد أن رفعها سلفه باراك أوباما من القائمة، وإعلان حقيقة المسار الذي سينتهجه، وهل سيكون في صف استكمال خط الرئيس أوباما أم ترامب؟.

في واقع الأمر، اعتقد المتابعون لملف العلاقات الأمريكية- اللاتينية أن الصراع الأمريكي- الكوبي الطويل قد انتهى بعودة العلاقات الدبلوماسية والرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية، لكن ما تشهده كوبا اليوم، فضلاً عن تدخل الولايات المتحدة السافر في الشأن الفنزويلي، وإعلانها الصريح عن مواجهة من سمّتهم بـ”الشياطين الثلاثة” (فنزويلا وكوبا ونيكارغوا)، أعاد للأذهان ذكرى عقود طويلة من التدخل الأمريكي في دول الجوار.