في مضمار التسليف والإقراض.. الحلقة الأضعف هم ذوو الدخل المحدود وأصحاب “متناهية الصغر”

دمشق – فاتن شنان

تتسابق المصارف العامة والخاصة حالياً لطرح منتجاتها الائتمانية وتوسيع محفظتها التسليفية بقروض متنوعة وشروط ميسرة – حسب ما تروج – لتوظيف سيولتها في المطارح الاستثمارية والإنتاجية. وعلى الرغم من وجود أنظمة وقوانين شبه موحدة في مسار التسليف صادرة عن المصرف المركزي، إلا أنها تجتهد في جذب واستقطاب العملاء عبر اعتماد نسب فوائد مخفضة واختلاف آلية تطبيقها أو بالإعلان عن قروض بسقوف مغرية، والمنافسة على صعيد الفائدة المعتمدة ضمن حدود تتراوح بين 2% إلى 4% مركبة أو بسيطة على الرصيد المتناقص أو كامل المبلغ، لكنها بالمجمل واستناداً إلى ما يرشح من نتائج أولية لم تنجح في إحداث تغيير كبير في نظرة المواطنين للقروض ولا تزال تصنف ضمن دائرة “التعجيزية والمرهقة” بل تستهدف من يملك سيولة ومشاريع وضمانات عقارية، أما الفئة المستحقة للدعم فستبقى خارجها أو على الأقل خارج سلة القروض الإنتاجية لما تشترطه من أوراق وضمانات.

تعني الإشهار 

وعلى الرغم من الثورة الحاصلة في عالم التسليف والإقراض وتباين نسب الفوائد، إلا أن معظم الطامحين أو الراغبين بالتمول هم فئة ذوي الدخل المحدود أو أصحاب المشاريع المتناهية الصغر والذين يمكن اعتبارهم “الحلقة الأضعف” كونهم بأمس الحاجة للتمويل بهدف التصدي لغلاء المعيشة، إذ تسعى الغالبية منهم لتأمين فرصة عمل أخرى عبر مشاريع صغيرة منزلية تدعم استقرارها المادي.

هذه الشريحة لاتزال تؤكد بأن التمويل من المصارف على غاية من التعقيد، ويعني إشهار مشاريعهم، فطلب أوراق رسمية وبيان مالي يعرضها لدفع الضرائب وتكاليف مالية غير قادرة عليها في مرحلة البدء، وبالمقابل لا وجود لمزايا تحمي خصوصية وضعف هذه المشاريع ورعاية باكورتها فتفتح باب الجباية على حساب الاستمرارية والنمو، والبعض الآخر أكد أن شروط القروض تعجيزية كصعوبة تأمين الضمانات العقارية التي لا تختلف قيمتها في معظم القروض، إذ يشترط أن تساوي قيمتها 200% من قيمة القرض المطلوب، وهنا يمكن الاستنتاج بأن من يملك ضمانة عقارية في الأرياف لن يصل إلى سقف القرض لانخفاض السعر، وبالتالي إن قاربت قيمة الضمانة العقارية نحو عشرة ملايين فلن يحصل المقترض من المصرف سوى على نصف المبلغ وبقسط شهري مرهق لدخله المحدود، كما تشترط القروض جملة من الأوراق اللازمة كضرورة وجود تراخيص للمشاريع المتناهية في الصغر – والتي نشأت فكرتها وتم تطبيقها في البيوت والتسويق ضمن أطر ضيقة لا تتعدى المقربين وبعض المعارف بأرباح بسيطة جداً- أو بيان مالي وإبراز فواتير أو دفع ضرائب، وهي شروط غير متوفرة في المشاريع متناهية الصغر كونه قطاع غير منظم ويعمل في الظل، وبالتالي أي قرض موجه لتلك الشريحة سوف يكبدهم تكاليف مالية غير متوفرة للحصول على مبالغ أقل ما يمكن اعتبارها بأنها عبء مالي لا يحقق نمواً أو تطوراً في المشروع المستهدف وهو ما أكده خبراء مصرفيين.

مستهدفة ولكن

ندرك أن المصرف التجاري لم يدخل في تمويل المشروعات متناهية الصغر بل وجه تمويله للصغيرة والمتوسطة منها، وعلى الرغم من سعة سلته التسليفية استثمارياً وتجارياً، إلا أنه استهدف فئة ذوي الدخل المحدود بطرحه للقرض الشخصي بسقف 20 مليون بضمانة عقارية وخمسة ملايين دون ضمانة شريطة وجود كفلاء مثبتين، وهنا يمكن للموظف الحصول على قرض بقيمة مليوني ليرة فقط بحسب الرواتب الشهرية مع كامل التعويضات بذلك، مع العلم أن القسط لن يكون أقل من 50 ألف ليرة شهرياً أي ما يعادل 50% منه تقريباً، وبالمقابل سيكون القرض استهلاكي لتوفير حاجيات ولا مجال لتحويله لاستثمار ما بسبب التضخم، أما الخمس ملايين فتبقى حلم لدى الكثيرين بوجود إشكالية كفلاء متضامنين معه، وسقف القرض البالغ 15 – 20 مليون يتطلب ضمانة عقارية بقيمة 40 مليون ليرة ترهن لمدة تتجاوز العشر سنوات وأكثر تمنعه من التصرف بها، ورغم توظيف ما يقارب 33 مليار ليرة في هذا السياق بحسب بيانات التجاري، لكن لا يعني أنه من القروض الميسرة للغالبية، لاسيما من يسعى للحصول على أكثر من مليوني ليرة واستثمارها في مجال ما، ولا نستطيع أن نغفل حق المصرف في حماية توظيفاته، إذ يشترط وجود الضمانة للعودة إليها في حال تعثر المقترض، وهو ما أكده المعنيون بالتجاري، ولكن المرحلة الراهنة استثنائية تستوجب التفكير بالدعم الحقيقي لهذه الفئات ليتسنى لها النهوض من واقعها المتعثر ودعمها لتطوير مشاريع تشكل نسبة كبيرة من الاقتصاد الوطني ورافعة له.

أعلى فائدة

لقد اقتحمت المصارف المعنية بذوي الدخل المحدود كالتسليف الشعبي والتوفير مجال التوظيف الاستثماري ودخلت أفق تمويل المشاريع الإنتاجية وقروض المهن والحرف والطاقة البديلة وتبعت مسار نظيراتها من المصارف في الشروط والأوراق المطلوبة اللازمة، ما يؤكد ارتفاع حجم ودائعها وحاجتها الماسة لتوظيف سيولتها، وتركت لفئاتها المستهدفة فقط قروض بمليوني ليرة لا يحصل معظمهم على سقفها لضعف الدخل الشهري دون الاجتهاد بما تستطيع تقديمه لهم بشكل خاص وهي المعنية بهم، بل تفوق التوفير على نظرائه بطرحه لقرض شراء مسكن بقيمة 100 مليون ليرة بفائدة تبلغ 16% وهي أعلى نسبة فائدة وتشترط وجود الضمانات العقارية، فهل الغاية تتجلى بطرح المنتجات أم توظيفها في مكانها الصحيح بما يثمر عن إنتاج وتنمية شاملة؟.

بالمحصلة..

وبالتالي فإن المنتجات المصرفية بصيغها الحالية تستهدف فئات محددة، وقد لا تحقق نتائج مثمرة على صعيد الفئات الأشد احتياجاً سواء أفراداً أو مشاريع متناهية الصغر، بل تساهم في اتساع الهوة بين طبقات المجتمع من جهة، وترفد المتمكن اقتصادياً من توسيع نشاطه على حساب المشروعات الصغيرة المستغلة من قبل شركات كبيرة، والتي تحتاج إلى جملة من المزايا التي تحمي نشوئها واستمراريتها وتسمح لذوي الدخل المحدود بالاستفادة منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى