النّهوض واللغة

عبد الكريم النّاعم

أبدأ من فكرة النّهوض، لأنّنا في طور الخروج من حرب عالميّة، بكلّ ما تعنيه، رافقتْ عشريّة الخراب، والذي أراه، كآخرين، أنّها لم تشمل سورية وحدها، وإنْ تركزّت عليها، بل خُطّط لها لتشمل أنحاء هذا الوطن الكبير، ودول المنطقة غير المُنضبطة! في عُرف دوائر الغرب الاحتلالي، ولئن ظنّت بعض الدول العربيّة الحليفة للغرب وللصهيونيّة أنّها بمنجاة فهي واهمة، لأنّها مستهدفة عُمقاً لدرجة مصادرة أن يكون لها قرار وطنيّ أو قوميّ لا يخدم مصالح القوى الاستغلاليّة، ولم يُبقوا لهم من الاستقلال إلاّ مظاهر شكليّة ليست منه في شيء.

عند هذه النّقطة المركز، أرى ضرورة التّذكير بأنّ بداية ما أُطلق عليه عصر النّهضة الحديثة للعرب، والتي بدأت مع الإصرار على التّخلّص من الاحتلال العثماني التّركي، في ذلك الزمن كان الأخذ بضرورة وعي اللغة العربيّة أساساً، لا في التّمايز عن الدّولة المحتلّة آنذاك، بل كأساس في الوعي، وكمادّة للثقافة، لأنّه حيث يتفشّى الجهل تتفشّى الخرافات، ويسود الاستسلام لِما يسمّونه أقداراً، وما هي بأقدار، ولو كانت كذلك لَما امتلأت نصوص القرآن الكريم والأحاديث النّبويّة بالدعوة إلى محاربة الباطل والظّلم أيّا كان، وكان بعد ذلك أن تفتّحت آفاق المعارف، واتّسعت على أيادي عدد من الذين أخلصوا لهذه اللغة وأحبّوها، ليس بما هي لغة فقط، بل كهويّة ينتمي إليها الواعون المُضحّون السبّاقون.

قد يرى البعض أنّ البدء بالإصلاح الاقتصادي، لردم الفجوة بين نسبة خمسة أو عشرة بالمائة أصبحت تضع يدها على ثروة البلد، وبين الشرائح الاجتماعيّة التي تزداد قهراً وفقراً وحاجة،.. قد يرون ذلك هو الأساس، ولن أدخل في مماحكة لا توصل إلى نتيجة حاسمة، بل آخذ بالقول إنّ البدء بكلتا المسألتين ممكن، حين تصحّ العزيمة، ولربّما بدا أن البدء باللغة لا يحتاج إلى ذلك الكمّ المادّي الذي يتطلّبه النّهوض الاقتصادي، وذلك لأنّ ما يمكن تسميته قاعدة تعليميّة متوفّر ولو جزئيّاً، وإن لم يكن على الصورة التي نتمنّاها.

إنّ بعض هذا النّهوض لا يحتاج إلاّ إلى عدد من القرارات الحازمة التي لا تسمح بحدوث أيّ تجاوز:

-البدء من الصفوف الأولى بالعودة إلى التعليم باللغة العربيّة الفصحى القريبة من العاميّة والتي يفهمها أبناء هذه المرحلة، وأن يلتزم جميع المعلّمين والمدرّسين وأساتذة الجامعات بإلقاء دروسهم بلغة عربيّة سليمة، حتى في الكليّات العلميّة والتّكنولوجيّة، إذ ليس من المقبول أن يكون في جامعاتنا، وثانوياتنا مدرّسون لا يجيدون التكلّم باللغة العربيّة الفصحى، لأنّها هي لغتنا، وهويّتنا، وأن تصدر تعليمات صارمة في التقيّد بذلك، وأن يُعاقب المُخالف، فقد وصلنا إلى مرحلة يشكو فيها أساتذة الجامعة من أنّ ثمّة خرّيجين جامعيين من كليّة الآداب يُخطئون لا في النّحو فقط، بل وفي الإملاء، فكيف لمثل هذا أن يهتمّ بما هو فاقد له أصلاً؟!!.

-أن يُلزم المذيعون في الإذاعة والتلفزيون بالحديث باللغة الفصحى، وأن يشمل ذلك الإلزام اللافتات التي تُنشر في الشوارع، وأن يُعاد إلى منع لافتات المحلاّت من أن تكون بما لا نعرفه من أسماء، وزعْبرة، وهذا لا يكلّف أكثر من إصدار قرار والحزم في تنفيذه، ولن يكلّف الدولة شيئاً.

أعرف أن ثمّة مَن سيقف في وجه هذه المقترحات، وقد تكون له تعليلاته الخاصّة، ولكنّي أُحيل هذا ومَن شايعه على المسلسلات التلفزيونيّة النّاجحة التي كان الكلام فصيحاً فيها، وكيف أنّها استقطبت الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج، ولم تكن غريبة على المشاهد أو المستمع.

تُرى هل تصل هذه الصرخة إلى آذان واعية؟!!.

aaalnaem@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى