.. ولا بدّ من دمشق!

أحمد حسن

في الشكل تبدو زيارة الوفد الحكومي اللبناني إلى سورية زيارة فنيّة بحتة موضوعها الوحيد مرور الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى بيروت عبر الأراضي السورية. في الجوهر هذه زيارة سياسية بحمولات ورسائل تتجاوز لبنان ومأساته، وقدراته، كلها، فبيروت، للأسف الشديد، تعيش، ومنذ فترة طويلة، حتى في شؤون “الطوائف” اليومية تحت “سلطة القناصل” فكيف لها أن تبتّ، حكومياً ورسمياً، بأمر مثل العلاقة مع سورية في ظل رهانات دولية وإقليمية شديدة التعقيد.

كلام نصري خوري، الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري، عن “مدلولات سياسية” للزيارة دليل واضح. انزعاج فريق لبناني محدّد منها – هل هو لبناني فعلاً؟ – دليل أكبر، فهذا الفريق، بحكم تبعيته، أكثر من يعرف أن هذه الزيارة ما كان لها أن تحدث بهذه الصورة – نوعاً وتوقيتاً – لولا ضوء أمريكي أخضر – ولو بهدف تخفيف الخسائر – وتحولات استراتيجية مفصلية في المنطقة فرضها صمود سورية أولاً ومن خلفها، ثانياً، محور كامل بدوله وأحزابه ومنظماته.

التحوّلات المشار إليها التقطها الأردن قبل لبنان، فكانت الزيارات الملكية نحو واشنطن وموسكو. اجتماع الأربعاء الوزاري، سورية – الأردن – لبنان – مصر، في عمّان دليل آخر.

بالمجمل ما يحصل يؤكد، وللمرة الألف، أنه.. لا بدّ من دمشق وإن طالت الغيبوبة.

والحال فإن فهم المدلولات الكامنة لـ “الزيارة” لا يمكن استيعابه دون إعادة التذكير بكمّ الأوامر التي صدرت سابقاً لإغلاق طريق دمشق، وبكمّ الأخلاق التي استُبيحت، والحبر الذي أُهرق، ومياه الوجوه التي سُفحت، والأموال التي دُفعت من أجل تدميرها، وبكمّ الأماني الذليلة التي أطلقت من أجل ضربها.

كان من المخزي أن كاتبا عربيا (!؟) كاد يبكي، على الورق، وهو يناشد “أوباما” لضرب سورية بالقول “ما لنا غيرك يا مولانا”..!!.

ورغم أن أحد لا يمكن له أن يقدّر كمّ الأسى الذي اعترى صدر دمشق وهي تواجه ظلم الأخوة، ولا يعرف حجم الحزن الذي أصابها وهي تراقب ذوي القربى يغادرون قاعات دسائس “أصدقاء سورية”. إلا أن الجميع كان يدرك كمّ المسامحة التي يجدها، وسيجدها، كل من يسلك “الشارع المستقيم” فيها، وإليها، لذلك كانوا يعرفون سلفاً أن سورية التي كانت “دائماً إيجابية في كل توجهاتها” ستتجاوب “رغم الجراح التي أصابتها بسبب عدد من المواقف”، وستوافق فوراً على الطلب اللبناني فهي أكثر من يعرف قساوة الحصار وهمجيته وما يعانيه لبنان وشعبه منه، وهي أكثر من يعرف أيضاً أن “الجغرافيا هي العامل الثابت في صناعة التاريخ” وإن أضاع هذه الحقيقة بعض اللبنانيين الذين أضاعهم البترودولار الأسود فكادوا يضيعون معه بلدهم بالكامل، والمفارقة أن هؤلاء يتجاهلون في كل لحظة أن لبنان تحديداً ليس له في الجغرافيا من حدود إلا فلسطين المحتلّة والبحر وسورية، وأنه حين يعادي دمشق وينخرط في المشاريع المشبوهة ضدها فإنه كمن يجدع أنفه بنفسه بحسب المثل العربي الشهير.

بالمحصلة، هذه دمشق وهذه بوابتها وهذا التاريخ البعيد والقريب يقول لكل من يملك أذنين إن إضعافها ليس سوى إضعاف للعرب بأسرهم، لذلك – وهذا قدرها – هي وحدها بوابة انتصارهم وعودتهم للحياة.. هذا إذا كانوا يريدون ذلك حقاً!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *