طفلة الكاميرا.. فراشة مقاتلة!!

“البعث الأسبوعية” ــ غالية خوجة

بحركتها الملفتة مثل فراشة مقاتلة تتحرك مع كاميرتها لتلتقط الصور، تنتقل بهدوء عبْر كراسي الحضور، ثم تختار لقدميها الصغيرتين مكاناً قرب الجدار، أو قريباً من المنصة التي يحاضر فيها المشاركون في الندوة، ترفع الكاميرا باتجاه أفقي مناسب، تركز عينها مع عين العدسة، وتضغط زر الالتقاط، ثم ترخي الكاميرا المعلقة بشريطها حول رقبتها، وتبعد جديلة شعرها عن شريط الكاميرا.

مرت أمامي وأنا بين الحضور عدة مرات، فلاحظتُها تتأرجح بين الارتباك والثقة، لكنها تصر أن تضغط بإصبعها على زر الالتقاط مكررة ذلك بين حركة وأخرى.

وحالما انتهت الندوة، سألتها: ما اسمك؟ وفي أي صف أنت؟

فأجابتني: حلا العكون.. الصف السابع.

هل تحبين التصوير؟ وهل هذه كاميرتك؟ ومنذ متى وأنت تصورين؟

أخبرتني أنها تحب التصوير وهي تتدرب عليه منذ 3 أشهر، لكن الكاميرا ليست لها، بل للنادي العربي الفلسطيني حيث كنا نحضر “ندوة الإعلام الوطني”.

وأضافت: لي تجربة سابقة لتنمية مواهبي المختلفة من خلال شبيبة الثورة، وأحب أن أكون في المستقبل مصورة وإعلامية، كما أنني أحب التمثيل، أحب الدراسة، وأحب القراءة، ولدينا مكتبة في البيت، وهنا، في النادي أقرأ وأتدرب على التصوير، أحب كل شيء.

 

الحرب جعلتني أقوى

واضح أنها طفلة عانت كما جميع أطفال سوريتنا الحبيبة من هذه الحرب الظلامية، لذلك سألتها: كيف واجهت هذه الحرب رغم صغر سنك؟ وما الذي تعلمته منها؟

قالت كمن يستذكر الكثير من الآلام: عشنا الحرب، وقُصف بيتنا الذي كان في “الشيخ مقصود”، كان عمري حينها 4 أو 5 سنوات، وأصابت الشظايا أخوتي، والحمد لله أن الشفاء كان نصيبهم، لأعود وألعب معهم، ونعيش معاً.

تابعت: علمتني الحرب أن أكون أقوى، وأن أدافع عن وطني بقوة أكبر، كي لا يتدمر ويتخرب، ونبنيه مثل العساكر من خلال الدراسة والتعلم والعمل.

وحين قلت لها: نحن متفائلون بكم لأنكم الجيل المتفائل الذي سيواصل الدفاع عن الوطن وبنائه، ردّت: متفائلون لأننا إذا تعلمنا وحققنا أمانينا فإننا نحب الوطن ونبنيه، كما أننا نبنيه إذا لم نرمِ الأوساخ في الشارع، إذا حافظنا على حضارته، وحافظنا على بيوتنا.

 

عليكم أن تعودوا

وبطفولتها العفوية، التفتت إليّ مسترسلة: نبنيه عندما نقول للذين هم خارج الوطن: ارجعوا إلى بيوتكم ووطنكم، عليكم أن تعودوا لتبنوا بلدكم.

وعندما سألتها: حلا، هل لديك أحد مغترب أو مهاجر؟

أجابتني والدمعة متجمدة في عينيها اللتين كانتا أثناء الندوة تركزان على عدسة الكاميرا: بعض من عائلتنا، مثل عماتي وأعمامي.

ونظرتْ إلى رجل من المحيطين بنا أثناء جلستنا، فعرفني عن نفسه: والد حلا، اسمي ياسر محمد العكون، اكتشفتُ مواهبها، وأترك لها حرية اكتشاف ذاتها والانطلاق في أي مجال تحبه مع الإشراف والتوجيه المناسب.

وهنا، انضم إلينا الإعلامي رامي السعيد موضحاً: حلا إحدى المتدربات والمتدربين في النادي الذي يستقطب الكثير من المواهب المختلفة في التصوير والإذاعة والتمثيل والرقص الفلكلوري، ويتم التدريب الإذاعي في هذه الغرفة حيث نجلس، وهي مخصصة لإذاعتنا “صدى الحياة” على الفيسبوك، ولدينا مشروع قادم هو عبارة عن حلقات إذاعية لحكايا للأطفال محلية وعربية وعالمية.

وبينما نغادر، وقفتْ حلا أمام عدستي لألتقط لها صورتها التي تشاهدونها الآن، وأنا كلي ثقة بهذا الجيل الجديد الذي أصادفه وهو واعٍ بما يجري حوله، وواعٍ بما يريده، وما الذي عليه أن يقوله ويفعله، وهذا ما يلفتني في كل مكان أكون فيه في حلب: الشوارع، الحدائق، الأماكن الثقافية، وحتى حين أزور أمي وأبي في المقبرة.. رحمهما الله وموتاكم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *