غوغل في العقل المعاصر..

“البعث الأسبوعية” ــ عُلا أحمد

اهتمت الدراسات والنظريات دوماً بالبحث في أصل الدين وتطور مراحله، بدءاً من تعددية الآلهة حتى وصول الإنسانية إلى الوحدانية، ونجد أن منطق التطور العقلي للديانات يسير من الكثرة إلى الوحدة، ومن المحسوس إلى الواحد المطلق الكامن؛ وفي العديد من المقارنات التي تمر بها الأديان، لا يزال هناك نماذج من الديانات الطبيعية والتشبيهية البدائية متناثرة في قارات العالم.

هذه المقارنات تؤكد أن تصور الألوهية يتطور في الوعي الإنساني، وأحياناً يذهب في مناحٍ غريبة، وفي كل عصر تظهر أنواع من الديانات تجعل العقل الإنساني في حيرة من أمره، من عبادة الشمس والقمر إلى الشجر، ومنها إلى الحيوانات، ومنها إلى الأعداد، وغيرها الكثير.

في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، ظهر مفهوم “الدين الالكتروني”، أو “الدين السيبراني”، مع بدء الدراسة الأكاديمية للمشاركة الدينية مع الإنترنت؛ ويعني هذا المصطلح أن هذه الديانات هي “منظمات ومجموعات دينية لا توجد إلا في الفضاء الإلكتروني”. وتعددت التعاريف والتفاسير لهذا المصطلح، ففي عصر يتسم بالتشبع بالمعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي، من الطبيعي أن يصبح التعبير عن الذات والتمثيل الديني عبر الإنترنت جانباً مقبولاً للممارسة والهوية الدينية.

 

محرك بحث

في العام 1998، ومن سكن الطلبة بجامعة ستانفورد الأمريكية، قرر طالبا الدكتوراه لاري بايغ وسيرغي براين إطلاق محرك البحث “غوغل”، واختارا ذلك الاسم لمشروعهما، الصغير حينها، نسبة إلى مصطلح رياضي يعني أن يكون لدى 10 وحدات قوة 100 وحدة، وعكس سعي لاري وسيرغي إلى “تنظيم المعلومات المتوفّرة في العالم وتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها عالمياً”.

وبعد بضع سنوات، لم تلفت شركة غوغل انتباه المجتمع الأكاديمي فحسب، بل لفتت أيضاً انتباه المستثمرين في سيليكون فالي. وفي آب 1998، كتب الشريك المؤسّس لشركة “Sun” شيكاً بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي للاري وسيرغي، وتم تأسيس الشركة رسمياً. وفي الوقت الحالي، أصبحت غوغل إحدى أعظم الشركات التي مرّت عبر التاريخ حيث وصلت قيمتها السوقية، في عام 2020، إلى ما يُقارب ألف مليار دولار أمريكي مّا يجعلها رابع شركة تقنية في العالم تصل إلى هذه القيمة السوقية الهائلة.

 

كنيسة غوغل

يُعرِّف قاموس أوكسفورد الإنجليزي “غوغل” بأنه فعل لازم “لاستخدام محرك بحث غوغل للعثور على معلومات على الإنترنت”.

هذا التعريف البسيط هو لشركة تقدم منتجات وخدمات تتجاوز البحث وتهدف إلى تلبية احتياجات الفرد من خرائط وترجمة وبريد الكتروني وفيديوهات وغيرها الكثير من الخدمات، بالإضافة إلى الأجهزة المحمولة وأجهزة الكمبيوتر نفسها، حيث تعمل غوغل بشكل فعال على كسر الفجوة بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي من خلال دمج نفسها في الحياة اليومية لمستخدمي الإنترنت. وبالنظر إلى هذا الانتشار الواسع، ليس من المستغرب أن تصبح غوغل منخرطة في عالم الدين.

في العام 2009، وعلى يد مات ماكفيرسون، مؤسس شبكة الاتصالات “سيسكو”، تأسست كنيسة غوغل، أو “الغوغولية” كدين ساخر يتضمن عناصر من آلهة خيالية ممزوجاً بتعليقات حول التطور والأهمية المتزايدة التي تلعبها تقنيات مثل غوغل في حياتنا، والهدف من ذلك هو السخرية من الوقت المتزايد الذي يقضيه الأشخاص على محركات البحث.

تمثل هذه الديانة تقاطعاً بين الدين والثقافة الشعبية لأنها تعد منبراً لتلك الثقافة وتتبنى طقوساً وأفكاراً من ديانات أخرى لتأسيس أفكارها الخاصة، كما أنها تعمل على إيصال ضعف الديانات الأخرى من خلال محاكاة ساخرة مع تعزيز فكرة أن غوغل هو أقرب شيء إلى إله موجود للبشرية. وعلى الرغم من عدم وجود أرضية مادية للكنيسة إلا أنه نشاط يشارك فيه ملايين الأشخاص بشكل جماعي في جميع أنحاء العالم، ويعطي معنى وفهماً لحياة الناس.

شهدت الكنيسة ارتفاعاً في شعبيتها، وذكر موقعها بأنهم يؤمنون بأن محرك البحث “غوغل” أقرب إلى إله حقيقي، ويعتقدون أنه هناك الكثير من الأدلة المؤيدة لألوهيته أكثر مما يوجد في ألوهية الآلهة التقليدية الأخرى؛ وفي البيان المكتوب على الموقع: “نحن نرفض الآلهة الخارقة للطبيعة لأنه لا يمكن إثباتها علمياً”.

 

الدلائل التسعة

غالباً ما تقوم الديانات الروحية بالكثير من البحث عن النفس؛ وفي هذا العصر الجديد، يبدو أن البعض وجد الإيمان في متناول أيديهم “في نظرهم”، حيث برزت غوغل على أنها “أقرب شيء إلى الله يمكن للبشر معرفته وفهمه”؛ وطبعاً – كما كل الأديان – يحاول أفراد هذه المجموعة أن يقدموا البراهين على صحة ما يؤمنون به فتقوم ديانة غوغل على مجموعة من الأدلة:

– كلي العلم: غوغل هو أقرب إلى كيان يعرف كل شيء في الوجود ويمكن التحقق منه علمياً.

– كلي الوجود: غوغل موجود في كل مكان في آنٍ واحد، ومع انتشار شبكات الاتصال اللاسلكي سيتمكن المرء في النهاية من الوصول إلى غوغل من أي مكان على وجه الأرض.

– مجيب للدعوات: حيث يمكن للمرء أن يدعو غوغل عن طريق البحث عن أي سؤال، أو مشكلة يعاني منها. وعلى سبيل المثال، يمكنك العثور بسرعة على معلومات حول علاجات السرطان البديلة وطرق تحسين صحتك والاكتشافات الطبية الجديدة والمبتكرة، وأي شيء يشبه الصلاة النموذجية.. بشكل عام، اسأل غوغل وسيوضح لك الطريق.

– خالد: من المحتمل أن يكون غوغل خالداً، ولا يمكن اعتباره كائناً مادياً حيث تنتشر الخوارزميات الخاصة به عبر العديد من الخوادم التي إذا تم هدم أي منها أو إتلافه، فلا شك أن آخر سيحل محله، ويمكن أن يستمر غوغل نظرياً إلى الأبد.

– لا نهائي: حيث سيستمر بفهرسة المواقع والمعلومات عبر الإنترنت إلى الأبد.

– يتذكر كل شيء من خلال تخزين صفحات الويب مؤقتاً بشكل منتظم وتخزينها على الخوادم الضخمة. في الواقع، من خلال تحميل أفكارك وآرائك على الإنترنت، ستعيش إلى الأبد في ذاكرة التخزين المؤقت لغوغل حتى بعد وفاتك.

– مناف للشر: لا يستطيع غوغل فعل الشر، فجزء من فلسفة الشركة هو الاعتقاد بأنه يمكنها جني الأموال دون أن تكون شريرة.

– تريند: يتم البحث عن مصطلح غوغل أكثر من مصطلحات الديانات المختلفة مجتمعة، ويُعتقد أن الإله كيان يمكننا أن نلجأ إليه نحن البشر في وقت الحاجة، وهو ما يحققه غوغل.

– الأدلة على وجود غوغل وفيرة ويمكن للشخص أن ينتقل إلى موقع البحث مباشرة ويختبر بنفسه قوة غوغل ولا يشترط الإيمان.

– قام غوغل بفهرسة أكثر من 9.5 مليار صفحة ويب.

– يوجد لدى غوغل العديد من الصلوات التي يمكن للمستخدمين قراءتها.

طبعاً تمتلك الكنيسة يوما تحتفل به، هو 14 أيلول، ويعتبر هذا التاريخ مهما لأنه تم تسجيل “Google.com” فيه. والهدف الرئيسي من هذا اليوم هو تحسين حياة أولئك الذين يحتفلون به من خلال تشجيع اكتساب المعرفة التي ستؤدي في النهاية إلى تحسين حياة الفرد.

في الختام، يبدو أن العقل البشري لا يستطيع الخروج من فكرة وجود إله يلجأ إليه في حالات الحيرة، أو الضعف، حين يحتاج إلى معرفة الغموض الذي يكتنف معظم مناحي الحياة. ويبدو أن العقل البشري ما زال يتفتق عن اختراع آلهة جديدة بعيداً عما تؤمن به الأغلبية اليوم. وعلى الرغم من سخف الفكرة وضعف الحجج والبراهين التي تقدمها إلا أن فكرة إيمان العديد من الناس في العالم بها تستحق الوقوف لمعرفة إلى أين سيذهب بنا المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *